الكلام في ميزان التمييز الذي به يعرف كون الشك في التكليف لكي تجري البراءة « 1 » ، وهذا الميزان إنما يراد في الشبهات الموضوعية التي قد يحتاج التمييز فيها إلى دقة دون الشبهات الحكمية التي يكون الشك فيها عادة شكاً في التكليف كما هو واضح .
وتوضيح الحال في المقام : أنَّ الشبهة الموضوعية تستبطن دائماً الشك في أحد أطراف الحكم الشرعي ؛ إذ لو كانت كلُّها معلومة ، فلا يتصور شك إلّا [ في ] أصل حكم الشارع ، وتكون الشبهة حينئذ حكمية ، وهذه الأطراف هي عبارة عن قيد التكليف ومتعلَّقه ومتعلَّق المتعلَّق له المسمّى بالموضوع الخارجي ، فحرمة شرب الخمر المشروطة بالبلوغ قيدها ( البلوغ ) ومتعلقها ( الشرب ) ومتعلَّق متعلقها ( الخمر ) ، وخطاب ( أكرم عالماً إذا جاءَ العيد ) قيدُ الوجوب فيه ( مجيء العيد ) ومتعلّقه ( الاكرام ) ومتعلّق متعلقه ( العالم ) .
فإنْ كان الشك في صدور المتعلَّق مع إحراز القيود والموضوع الخارجي ، فهذا شك في الامتثال بلا اشكال ، وتجري اصالة الاشتغال ؛ لأن التكليف معلوم ولا شك فيه ؛ لبداهة أنَّ فعلية التكليف غير منوطة بوجود متعلقه خارجاً ، وانما الشك في الخروج عن عهدته ، فلا مجال للبراءة .
واما إذا كان الشك في الموضوع الخارجي ، كما إذا لم يُحرز كون فرد مّا مصداقاً للموضوع الخارجي ، فإنْ كان اطلاق التكليف بالنسبة اليه شمولياً « 2 » جرت البراءة ؛ لأن الشك حينئذ يستبطن الشك في التكليف الزائد « 3 » ، كما إذا قيل :
هامش
( 1 ) . أو في الامتثال لكي يجري الاشتغال .
( 2 ) . كما لو قال : أكرم العالم .
( 3 ) . لأنَّ وجوب الاكرام ينحلّ بعدد الأفراد ، فلو كانوا عشرة ، انحل إلى عشرة وجوبات ، ومعه فالشك في كون شخص معيّن عالماً ، يستلزم الشك في ثبوت وجوب آخر زائد على العشرة ، فتجري البراءة عنه .