ولكن التحقيق : أنَّ النسبة بين أدلة وجوب الاحتياط والآية الكريمة هي العموم من وجه ؛ لشمول تلك الأدلة موارد عدم الفحص ، واختصاص الآية بموارد الفحص ، كما تقدم عند الكلام عن دلالتها « 1 » ، فهي كما تُعتبر أعَمَّ بلحاظ شمولها للفعل والمال ، كذلك تعتبر أخَصَّ بلحاظ ما ذكرناه « 2 » ، ومع التعارض بالعموم من وجه يقدم الدليل القرآني ؛ لكونه قطعياً « 3 » .
كما أنَّ النسبة بين أدلة وجوب الاحتياط وحديث الرفع العموم من وجه أيضاً ؛ لعدم شموله موارد العلم الاجمالي ، وشمول تلك الأدلة لها « 4 » ، ويقدم حديث الرفع في مادة الاجتماع والتعارض « 5 » ؛ لكونه موافقاً لاطلاق الكتاب « 6 » ، ومخالفه « 7 » معارض له .
ولو تنزلنا عما ذكرناه مما يوجب ترجيح دليل البراءة ، وافترضنا التعارض والتساقط ، أمكن الرجوع إلى البراءة العقلية على مسلك قاعدة قبح العقاب بلا بيان ، وأمكن الرجوع إلى دليل الاستصحاب « 8 » كما أوضحنا ذلك في الحلقة
هامش
( 1 ) . أي : أنَّ أدلة الاحتياط تدلّ على وجوبه مطلقاً قبل الفحص وبعده ، بينما تدل الآية على البراءة بعد الفحص ولا تشمل ما قبله .
( 2 ) . من اختصاصها بما بعد الفحص .
( 3 ) . أي : أنَّ الآية أعم من وجه ؛ لشمولها التكليف وغيره ، واختصاص أدلة الاحتياط بالتكليف فقط ، والآية أخص من وجه ؛ لأنها تجعل البراءة بعد الفحص خاصة ، بينما أدلة الاحتياط أعم ؛ لأنها تشمل ما قبل الفحص ، وما بعده ، فيجتمعان في مورد الشك في التكليف بعد الفحص ويتعارضان ، فيقدم دليل البراءة ؛ لأنه قرآني .
( 4 ) . ومن جهة أخرى أدلة الاحتياط خاصة بالشبهات الحكمية ، وحديث الرفع شامل لها وللشبهات الموضوعيّة ، فهو أعم من هذه الناحية .
( 5 ) . وهي الشك البدوي في التكليف .
( 6 ) . أي : اطلاق قوله تعالى :لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها.
( 7 ) . أي : أدلة وجوب الاحتياط .
( 8 ) . أي : مع البناء على حق الطاعة لا يمكن الرجوع إلى البراءة العقلية ، ولكن يمكن اثبات البراءة باستصحاب عدم التكليف ؛ لما تقدم من امكان تعويض البراءة بدليل الاستصحاب .