والمخلصين يشير إلى اختلاف مراتب الإدراك في المعرفة الإيمانيّة ، وحيث تبيّن الرواية أنّ الفارق بين المؤمنين والمسلمين ، والذي قد بيّنته الآيات أنّه طورٌ نوعيّ متكامل وراء طور ابتداء الإسلام .
هذا الفارق بينهما هو بعينه الفارق بين مقام المتّقين والمؤمنين كذلك الفارق بين الموقنين والمتّقين وبين المخلصين والموقنين .
وفي الحقيقة أنّ هذه الدرجات تابعة لدرجات المعرفة والبصيرة ، فالمؤمنون حيث يشوب معرفتهم جانب من الإبهام والإجمال ، ومن ثَمّ تكون الحجّيّة لديهم تعبّديّة ، أيعلميّة مشوبة بإبهام وإجمال .
بينما الحجّيّة عند الموقنين حجّيّة علميّة تفصيليّة ، وهي فوق الحجّيّة التعبّديّة ، أيلا إبهام فيها ولا إجمال ، وإن كان فيها تسليم وانقياد للحقّ والحقيقة ، ومن ثمّ تكون طاعة وتسليم الموقن لإبصاره الحقيقة ، ويكون استمساكه بطريق الصواب أشدّ من عموم المؤمنين .
وممّا يشير إلى هذا المعلَم الثالث في نهج المعرفة قوله تعالى :
( هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ )
« 1 » ، فخصّ تعالى حصول المعرفة والهداية ونزول الرحمة التي هي عبارة عن السعادة بالموقنين .
المعلَم الرابع : الهداية وافتراقها عن عموم العلم
حيث أنّ القرآن رغم إشادته الكثيرة بالمديح للعلم ، إلّاأنّه يؤكّد من جانب آخر على الهداية ويقع الكلام في المائز بين عموم أنواع العلم والعلوم ، وبين حقيقة الهداية .
هامش
( 1 ) الجاثية 45 : 20 .