وأدل الدلائل - لمن فكر بعقل ، واعتبر بفهم - على قدم بارئها ، وحدوث كل ما جانسها ، وان لها خالقا لا يشبهها .
وذلك ان كل ما ذكر ربنا تبارك وتعالى في هذه الآية من الجبال والأرض والإبل فان ابن آدم يعالجه ويدبره بتحويل وتصريف وحفر ونحت وهدم ، غير ممتنع عليه شيء من ذلك ثم إن ابن آدم مع ذلك غير قادر على ايجاد شيء من ذلك من غير أصل ، فمعلوم ان العاجز عن ايجاد ذلك لم يحدث نفسه ، وان الذي هو غير ممتنع ممن أراد تصريفه وتقليبه لم يوجده من هو مثله ، ولا هو أوجد نفسه ، وان الذي انشاه وأوجد عينه هو الذي لا يعجزه شيء اراده ، ولا يمتنع عليه احداث شيء شاء احداثه ، و
هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ
.
فان قال قائل : فما تنكر أن تكون الأشياء التي ذكرت من فعل قديمين ؟
قيل : أنكرنا ذلك لوجودنا اتصال التدبير وتمام الخلق ، فقلنا : لو كان المدبر اثنين ، لم يخلوا من اتفاق أو اختلاف ، فان كانا متفقين فمعناهما واحد ، وانما جعل الواحد اثنين من قال بالاثنين وان كانا مختلفين كان محالا وجود الخلق على التمام والتدبير على الاتصال ، لان المختلفين ، فعل كل واحد منهما خلاف فعل صاحبه ، بان أحدهما إذا أحيا أمات الآخر ، وإذا أوجد أحدهما افنى الآخر ، فكان محالا وجود شيء من الخلق على ما وجد عليه من التمام والاتصال .
وفي قول الله عز وجل ذكره : «
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ
» ، وقوله عز وجل : «
مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
»