تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 311

مساهمون:

ص٣١١
عظم الحرج السابق ، مع أن هذا الدليل لا يقاوم تلك الدلائل الكثيرة ، ولعل الأولى في الاستدلال على ذلك ما رواه أحمد . وغيره بسند صحيح عن أبي بكرة قال : « بينما أنا أماشي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو آخذ بيدي ورجل عن يساري فإذا نحن بقبرين أمامنا فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : إنهما ليعذبان وما يعذبان بكبير وبكى إلى أن قال : وما يعذبان إلا في الغيبة والبول » ولا يتم أيضا ، فقد قال ابن الأثير : المعنى وما يعذبان في أمر كان يكبر عليهما ويشق فعله لو أراداه لا أنه في نفسه غير كبير ، وكيف لا يكون كبيرا وهما يعذبان فيه ، فالحق أنها من الكبائر . نعم لا يبعد أن يكون منها ما هو من الصغائر كالغيبة التي لا يتأذى بها كثيرا نحو عيب الملبوس والدابة ، ومنها ما لا ينبغي أن يشك في أنه من أكبر الكبائر كغيبة الأولياء والعلماء بألفاظ الفسق والفجور ونحوها من الألفاظ الشديدة الإيذاء ، والأشبه أن يكون حكم السكوت عليها مع القدرة على دفعها حكمها ، ويجب على المغتاب أن يبادر إلى التوبة بشروطها فيقلع ويندم خوفا من اللّه تعالى ليخرج من حقه ثم يستحل المغتاب خوفا ليحله فيخرج عن مظلمته ، وقال الحسن : يكفيه الاستغفار عن الاستحلال ، واحتج بخبر « كفارة من اغتبته أن تستغفر له » ، وأفتى الخياطي بأنها إذا لم تبلغ المغتاب كفاه الندم والاستغفار ، وجزم ابن الصباغ بذلك وقال : نعم إذا كان تنقصه عند قوم رجع إليهم وأعلمهم أن ذلك لم يكن حقيقة وتبعهما كثيرون منهم النووي ، واختاره ابن الصلاح في فتاويه وغيره ، وقال الزركشي : هو المختار وحكاه ابن عبد البر عن ابن المبارك وأنه ناظر سفيان فيه ، وما يستدل به على لزوم التحليل محمول على أنه أمر بالأفضل أو بما يمحو أثر الذنب بالكلية على الفور ، وما ذكر في غير الغائب والميت أما فيهما فينبغي أن يكثر لهما الاستغفار ، ولا اعتبار بتحليل الورثة على ما صرح به الخياطي وغيره ، وكذا الصبي والمجنون بناء على الصحيح من القول بحرمة غيبتهما . قال في الخادم : الوجه أن يقال يبقى حق مطالبتهما إلى يوم القيامة أي إن تعذر الاستحلال والتحليل في الدنيا بأن مات الصبي صبيا والمجنون مجنونا ويسقط من حق اللّه تعالى بالندم ، وهل يكفي الاستحلال من الغيبة المجهولة أم لا ؟ وجهان ، والذي رجحه في الإذكار أنه لا بد من معرفتها لأن الإنسان قد يسمح عن غيبة دون غيبة ، وكلام الحليمي . وغيره يقتضي الجزم بالصحة لأن من سمح بالعفو من غير كشف فقد وطن نفسه عليه مهما كانت الغيبة ، ويندب لمن سئل التحليل أن يحلل ولا يلزمه لأن ذلك تبرع منه وفضل ، وكان جمع من السلف واقتدى بهم والدي عليه الرحمة والرضوان يمتنعون من التحليل مخافة التهاون بأمر الغيبة ، ويؤيد الأول خبر « أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من بيته قال : إني تصدقت بعرضي على الناس » . ومعناه لا أطلب مظلمة منهم ولا أخاصمهم لا أن الغيبة تصير حلالا لأن فيها حقا للّه تعالى ولأنه عفو وإباحة للشيء قبل وجوبه ، وسئل الغزالي عن غيبة الكافر فقال : هي في حق المسلم محذورة لثلاث علل : الإيذاء ، وتنقيص خلق اللّه تعالى ، وتضييع الوقت بما لا يعني . والأولى تقتضي التحريم ، والثانية الكراهة ، والثالثة خلاف الأولى . وأما الذمي فكالمسلم فيما يرجع إلى المنع عن الإيذاء لأن الشرع عصم عرضه ودمه وماله . و قد روى ابن حبان في صحيحه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من سمع يهوديا أو نصرانيا فله النار » ومعنى سمعه أسمعه ما يؤذيه ولا كلام بعد هذا في الحرمة . وأما الحربي فغيبته ليست بحرام على الأولى وتكره على الثانية وخلاف الأولى على الثالثة ، وأما المبتدع فإن كفر فكالحربي وإلا فكالمسلم ؛ وأما ذكره ببدعته فليس مكروها . وقال ابن المنذر في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم في تفسير الغيبة : « ذكرك أخاك بما يكره » : فيه دليل على أن من ليس أخا لك من اليهود والنصارى وسائر أهل الملل ومن أخرجته بدعته إلى غير دين الإسلام لا غيبة له ويجري نحوه في الآية ، والوجه تحريم غيبة الذمي كما تقرر وهو وإن لم يعلم من الآية ولا من الخبر المذكور معلوم بدليل آخر ولا معارضة بين ما ذكر