تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
أن ظن السوء إن كان اختياريا فالأمر واضح ، وإذا لم يكن اختياريا فالمنهي عنه العمل بموجبه من احتقار المظنون به وتنقيصه وذكره بما ظن فيه ، وقد قيل نظير ذلك في الحسد على تقدير كونه غير اختياري ، ولا يضر العمل بموجبه بالنسبة إلى الظان نفسه كما إذا ظن بشخص أنه يريد به سوءا فتحفظ من أن يلحقه منه أذى على وجه لا يلحق ذلك الشخص به نقص ، وهو محمل خبر « إن من الحزم سوء الظن » و خبر الطبراني « احترسوا من الناس بسوء الظن » ، وقيل : المنهي عنه الاسترسال معه وترك إزالته بنحو تأويل سببه من خبر ونحوه ، وإلا فالأمر الغير الاختياري نفسه لا يكون مورد التكليف ، وفي الحديث « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ثلاث لازمات أمتي الطيرة والحسد وسوء الظن فقال رجل : ما يذهبهن يا رسول اللّه ممن هن فيه ؟ قال : إذا حسدت فاستغفر اللّه وإذا ظننت فلا تحقق وإذا تطيرت فامض » أخرجه الطبراني عن حارثة بن النعمان
إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ
تعليل بالأمر بالاجتناب أو لموجبه بطريق الاستئناف التحقيقي ، والإثم الذنب الذي يستحق العقوبة عليه ، ومنه قيل لعقوبته الأثام فعال منه كالنكال ، قال الشاعر :
لقد فعلت هذي النوى بي فعلة * أصاب النوى قبل الممات أثامها
والهمزة فيه على ما قال الزمخشري بدل من الواو كأنه يثم الأعمال أي يكسرها لكونه يضربها في الجملة وإن لم يحبطها قطعا : وتعقب بأن الهمزة ملتزمة في تصاريفه تقول : إثم يأثم فهو آثم وهذا إثم وتلك آثام ، وإن أثم من باب علم ، ووثم من باب ضرب ، وإنه ذكره في باب الهمزة في الأساس ، والواوي متعد وهذا لازم .
وَلا تَجَسَّسُوا
ولا تبحثوا عن عورات المسلمين ومعايبهم وتستكشفوا عما ستروه ، تفعل من الجس باعتبار ما فيه من معنى الطلب كاللمس فإن من يطلب الشيء يجسه ويلمسه فأريد به ما يلزمه ، واستعمال التفعل للمبالغة وقرأ الحسن وأبو رجاء وابن سيرين « ولا تحسسوا » بالحاء من الحس الذي هو أثر الجس وغايته ، ولهذا يقال لمشاعر الإنسان الحواس والجواس بالحاء والجيم ، وقيل التجسس والتحسس متحدان ومعناهما معرفة الأخبار ، وقيل : التجسس بالجيم تتبع الظواهر وبالحاء تتبع البواطن ، وقيل : الأول أن تفحص بغيرك والثاني أن تفحص بنفسك ، وقيل : الأول في الشر والثاني في الخير ، وهذا بفرض صحته غير مراد هنا والذي عليه الجمهور أن المراد على القراءتين النهي عن تتبع العورات مطلقا وعدوه من الكبائر . أخرج أبو داود وابن المنذر وابن مردويه عن أبي برزة الأسلمي قال : خطبنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تتبعوا عورات المسلمين فإن من تتبع عورات المسلمين فضحه اللّه تعالى في قعر بيته » و في رواية البيهقي عن البراء بن عازب أنه صلّى اللّه عليه وسلّم نادى بذلك حتى اسمع العواتق في الخدر . وأخرج أبو داود وجماعة عن زيد بن وهب قلنا لابن مسعود : هل لك في الوليد بن عقبة بن معيط تقطر لحيته خمرا ؟ فقال ابن مسعود : قد نهينا عن التجسس فإن ظهر لنا شيء أخذنا به . وقد يحمل مزيد حب النهي عن المنكر على التجسس وينسى النهي فيعذر مرتكبه كما وقع ذلك لعمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه . أخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن ثور الكندي أن عمر رضي اللّه تعالى عنه كان يعس بالمدينة فسمع صوت رجل في بيت يتغنى فتسور عليه فوجد عنده امرأة وعنده خمر فقال : يا عدو اللّه أظننت أن اللّه تعالى يسترك وأنت على معصية ؟ فقال : وأنت يا أمير المؤمنين لا تعجل علي إن كنت عصيت اللّه تعالى واحدة فقد عصيت اللّه تعالى في ثلاث قال سبحانه :
وَلا تَجَسَّسُوا
وقد تجسست وقال اللّه تعالى :
وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها
[ البقرة 189 : ] وقد تسورت وقال جل شأنه :
لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها
[ النور : 27 ] ودخلت علي بغير إذن قال عمر رضي اللّه تعالى عنه : فهل عندكم من خير ان عفوت عنك ؟ قال :