تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧
منع هذا الوجه بأنه يلزم عليه توارد عاملين على معمول واحد ، ومثله لا يصح على الأصح خلافا للكوفيين ، وبقول بشر بن أبي حازم :
إذا جزت نواصي آل بدر * فأدوها وأسرى في الوثاق
وإلا فاعلموا أنا وأنتم * بغاة ما بقينا في شقاق
فإن قوله : « بغاة ما بقينا » خبر إن ولو كان خبر - أنتم - لقال : ما بقيتم ، و - بغاة - جمع باغ بمعنى طالب ، وقيل : إنه جمع باغي من البغي والتعدي - وأنتم بغاة - جملة معترضة لأنه لا يقول في قومه إنهم بغاة . و - ما بقينا في شقاق - خبر إن ، وحينئذ لا يصلح البيت شاهدا لما ذكر لأن ضمير المتكلم مع الغير في محله ، وإنما وسطت الجملة هنا بين إن وخبرها مع اعتبار نية التأخير ليسلم الكلام عن الفصل بين الاسم والخبر ، وليعلم أن الخبر ما ذا دلالة - كما قيل - على أن الصابئين - مع ظهور ضلالهم وزيغهم عن الأديان كلها حيث قبلت توبتهم - إن صح منهم الإيمان والعمل الصالح فغيرهم أولى بذلك ، ومن هنا قيل : إن الجملة كاعتراض دل به على ما ذكر ، وإنما لم تجعل اعتراضا حقيقة لأنها معطوفة على جملة
إِنَّ الَّذِينَ
وخبرها ، وأورد عليه ما قاله ابن هشام : من أن فيه تقديم الجملة المعطوفة على بعض الجملة المعطوفة عليها ، وإنما يتقدم المعطوف على المعطوف عليه في الشعر ، فكذا ينبغي أن يكون تقديمه على بعض المعطوف عليه بل هو أولى منه بالمنع ، وأما ما أجاب به عنه بأن الواو واو الاستئناف التي تدخل على الجمل المعترضة ، كقوله تعالى :
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ
[ البقرة : 24 ] إلخ ، وهذه الجملة معترضة لا معطوفة ، فلا يتمشى فيما نحن فيه لأنه يفوت نكتة التقديم من تأخير التي أشير إليها لأنها إذا كانت معترضة لا تكون مقدمة من تأخير ، وبعض المحققين صرف الخبر المذكور إلى قوله تعالى :
وَالصَّابِئُونَ
وجعل خبر إن محذوفا ، وهو القول الآخر للنحاة في مثل هذا التركيب ، وهو موافق للاستعمال أيضا كما في قوله :
نحن بما عندنا وأنت بما * عندك راض والرأي مختلف
فإن قوله - راض - خبر - أنت - وخبر - نحن - محذوف ، ورجح بأن الإلحاق بالأقرب أقرب ، وبأنه خال عما يلزم على التوجيه الأول ، نعم غاية ما يرد عليه أن الأكثر الحذف من الثاني لدلالة الأول ، وعكسه قليل لكنه جائز ، وعورض بأن الكلام فيما نحن فيه مسوق لبيان حال أهل الكتاب ، فصرف الخبر إليهم أولى ، وفي توسيط بيان حال الصابئين ما علمت من التأكيد ، وأيضا في صرف الخبر إلى الثاني فصل للنصارى عن اليهود وتفرقة بين أهل الكتاب لأنه حينئذ عطف على قوله سبحانه :
وَالصَّابِئُونَ
قطعا ، نعم لو صح أن المنافقين واليهود أوغل المعدودين في الضلال ، والصابئين والنصارى أسهل حسن تعاطفهما وجعل المذكور خبرا عنهما ، وترك كلمة التحقيق المذكورة في الأولين دليلا على هذا المعنى ، وقيل : إن
الصَّابِئُونَ
عطف على محل
إِنَّ
واسمها ، وقد أجازه بعضهم مطلقا ، وبعضهم منعه مطلقا ، وفصل آخرون فقالوا : يمتنع قبل مضي الخبر ويجوز بعده . وذهب الفراء إلى أنه إن خفي إعراب الاسم جاز لزوال الكراهة اللفظية نحو : إنك وزيد ذاهبان ، وإلا امتنع ، والمانع عند الجمهور لزوم توارد عاملين ، وهما
إِنَّ
والابتداء أو المبتدأ على معمول واحد وهو الخبر ، ولهذا ضعفوا هذا القول في الآي وبنوا على مذهب الكوفيين ، وكون خبر المعطوف فيها محذوفا - وحينئذ لا يلزم التوارد - ليس بشيء لأن الجملة حينئذ تكون معطوفة على الجملة ، ولم يكن ذلك من العطف على المحل في شيء ، ومن قال : إن خبر
إِنَّ
مرفوع بما كان مرفوعا به قبل دخولها لم يلزم عليه حديث التوارد . ونقل عن الكسائي إن العطف على الضمير في
هادُوا
وخطأه الزجاج بأنه لا يعطف على الضمير المرفوع