تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 365

مساهمون:

ص٣٦٥
وقال الراغب : عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حفظهم بما خصوا به من صفاء الجوهر ، ثم بما أولاهم من الأخلاق والفضائل ، ثم بالنصرة وتثبيت أقدامهم ، ثم بإنزال السكينة عليهم وبحفظ قلوبهم وبالتوفيق ، وقيل : المراد بالعصمة الحفظ من صدور الذنب ، والمعنى بلغ واللّه تعالى يمنحك الحفظ من صدور الذنب من بين الناس ، أي يعصمك بسبب ذلك دونهم ، ولا يخفى أن هذا توجيه لم يصدر إلا ممن لم يعصمه اللّه تعالى من الخطأ ، ومثله ما نقل عن علي بن عيسى في قوله سبحانه :
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ
حيث قال : لا يهديهم بالمعونة والتوفيق والألطاف إلى الكفر بل إنما يهديهم إلى الإيمان ، وزعم أن الذي دعاه إلى هذا التفسير أن اللّه تعالى هدى الكفار إلى الإيمان بأن دلهم عليه ورغبهم فيه وحذرهم من خلافه ، وأنت قد علمت المراد بالآية على أن في كلامه ما لا يخفى من النظر ، وقال الجبائي : المراد لا يهديهم إلى الجنة والثواب ، وفيه غفلة عن كون الجملة في موضع التعليل ، وزعم بعضهم أن المراد أن عليك البلاغ لا الهداية ، فمن قضيت عليه بالكفر والوفاة عليه لا يهتدي أبدا - وهو كما ترى - فليفهم جميع ما ذكرناه في هذه الآية وليحفظ فإني لا أظن أنك تجده في كتاب . وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم « رسالاته » على الجمع ، وإيراد الآية في تضاعيف الآية الواردة في أهل الكتاب لما أن الكل قوارع يسوء الكفار سماعها ويشق على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم مشافهتهم بها ، وخصوصا ما يتلوها من النص الناعي عليهم كمال ضلالهم ، ولذلك أعيد الأمر فقال سبحانه :
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ
، والمراد بهم اليهود والنصارى - كما قال بعض المفسرين - وقال آخرون : المراد بهم اليهود ، فقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير وغيرهما عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنه قال : جاء رافع بن حارثة وسلام بن مشكم ومالك بن الصيف ورافع بن حريملة « فقالوا : يا محمد ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه وتؤمن بما عندنا من التوراة وتشهد أنها من اللّه تعالى حق ؟ فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : بلى ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخذ عليكم من الميثاق وكتمتم منها ما أمرتم أن تبينوه للناس فبرئت من إحداثكم . قالوا : فإنا نأخذ بما في أيدينا فإنا على الهدى والحق ولا نؤمن بك ولا نتبعك » فأنزل اللّه تعالى فيهم قال يا أهل الكتاب
لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ
أي دين يعتد به ويليق بأن يسمى شيئا لظهور بطلانه ووضوح فساده ، وفي هذا التعبير ما لا يخفى من التحقير ، ومن أمثالهم أقل من لا شيء
حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ
أي تراعوهما وتحافظوا على ما فيهما من الأمور التي من جملتها دلائل رسالة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وشواهد نبوته ، فإن إقامتهما وتوفية حقوقهما إنما تكون بذلك لا بالعمل بجميع ما فيهما منسوخا كان أو غيره ، فإن مراعاة المنسوخ تعطيل لهما وردّ لشهادتهما
وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ
أي القرآن المجيد ، وإقامته بالإيمان به ، وقدمت إقامة الكتابين على إقامته - مع أنها المقصودة بالذات - رعاية لحق الشهادة واستنزالا لهم عن رتبة الشقاق . وقيل : المراد بالموصول كتب أنبياء بني إسرائيل عليهم الصلاة والسلام ، وقيل : الكتب الإلهية ، فإنها كلها ناطقة بوجوب الإيمان بمن ادعى النبوة وأظهر المعجزة ووجوب طاعة من بعث إليهم له ، وقد مر تمام الكلام على مثل هذا النظم الكريم وكذا على قوله تعالى :
وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً
والجملة مستأنفة - كما قال شيخ الإسلام مبينة لشدة شكيمتهم وغلوهم في المكابرة والعناد وعدم إفادة التبليغ نفعا ، وتصديرها بالقسم لتأكيد مضمونها وتحقيقه ونسبة الإنزال إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم - مع نسبته فيما مر إليهم - للإنباء عن انسلاخهم عن تلك النسبة ، وإذا أريد بالموصول النعم التي أعطيها صلّى اللّه عليه وسلّم فأمر النسبة ظاهر جدا .