تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا
ذوي عدد كثير ، وأولي شأن خطير ، يعرفونهم ذلك ويتعهدونهم بالعظة والتذكير ويطلعونهم على ما يأتون ويذرون في دينهم
كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ
أي بما لا تميل إليه من الشرائع ومشاق التكاليف ، والتعبير بذلك دون بما تكرهه أنفسهم للمبالغة في ذمهم ، وكلمة
كُلَّما
كما قال أبو حيان : منصوبة على الظرفية لإضافتها إلى ما المصدرية الظرفية وليست كلمة شرط ، وقد أطلق ذلك عليها الفقهاء وأهل المعقول ، ووجه ذلك السفاقسي بأن تسميتها شرطا لاقتضائها جوابا كالشرط الغير الجازم فهي مثل - إذا - ولا بعد فيه ، وجوابها - كما قيل - قوله تعالى :
فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ
. وقيل : الجواب محذوف دل عليه المذكور ، وقدره ابن المنير استكبروا لظهور ذلك في قوله تعالى :
أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً
[ البقرة : 87 ] إلخ ، والبعض ناصبوه لأنه أدخل في التوبيخ على ما قابلوا به مجيء الرسول الهادي لهم ، وأنسب بما وقع في التفصيل مستقبحا غاية الاستقباح ، وهو القتل على ما سنشير إليه إن شاء اللّه تعالى ، فإن الاستكبار إنما يفضى إليه بواسطة المناصبة ، وأما في الآية الأخرى فقد قصد إلى استقباح الاستكبار نظرا إليه في نفسه لاقتضاء المقام ، وادعى بعضهم أن في الإتيان بالفاء في آية الاستكبار إشارة إلى اعتبار الواسطة كأنه قيل : استكبرتم فناصبتم
فَفَرِيقاً
إلخ ، وفيه نظر ، والجملة حينئذ استئناف لبيان الجواب ، وجعل الزمخشري هذا القول متعينا لأن الكلام تفصيل لحكم أفراد جمع الرسل الواقع قبل ، أي - كلما جاءهم رسول من الرسل - والمذكور بقوله سبحانه :
فَرِيقاً كَذَّبُوا
إلخ يقتضي أن الجائي في كل مرة فريقان فبينهما تدافع ، وعلى تقدير قطع النظر عن هذا لا يحسن في مثل هذا المقام تقديم المفعول مثل - إن أكرمت أخي ، أخاك أكرمت - لأنه يشعر بالاختصاص المستلزم للجزم بوقوع أصل الفعل مع النزاع في المفعول ، وتعليقه بالشرط يشعر بالشك في أصل الفعل ، ولأن تقديم المفعول على ما قيل : يوجب الفاء إما لجعله الفعل بعيدا عن المؤثر فيحوجه إلى رابط ، وإما لأنه بتقديم المفعول أشبه الجملة الاسمية المفتقرة إلى الفاء ، وقيل : فيه مانع آخر لأن المعنى على أنهم كلما جاءهم رسول وقع أحد الأمرين لا كلاهما ، فلو كان جوابا لكان الظاهر أو بدل الواو ، ومن جعل الجملة جوابا لم ينظر إلى هذه الموانع ، قال بعض المحققين : أما الأول فلأنه لقصد التغليظ جعل قتل واحد كقتل فريق ، وقيل : المراد بالرسول جنسه الصادق بالكثير ؛ ويؤيده
كُلَّما
الدالة على الكثرة ، وأما الثاني فلأنه لا يقتضي قواعد العربية مثله ، وما ذكر من الوجوه أوهام لا يلتفت إليها ولا يوجد مثله في كتب النحو ، ومنه يعلم دفع الأخير ، وتعقب ذلك مولانا شهاب الدين بأنه عجيب من المتبحر الغفلة عن مثل هذا ، وقد قال في شرح التسهيل : ويجوز أن ينطلق خيرا يصب - خلافا للفراء - فقال شراحه : أجاز سيبويه ، والكسائي تقديم المنصوب بالجواب مع بقاء جزمه ، وأنشد الكسائي :
وللخير أيام فمن يصطبر لها * ويعرف لها أيامها الخير يعقب
تقديره يعقب الخير ، ومنع ذلك الفراء مع بقاء الجزم ، وقال : بل يجب الرفع على التقديم والتأخير أو على إضمار الفاء ، وتأول البيت بأن الخير صفة للأيام ، كأنه قال : أيامها الصالحة . واختار ابن مالك هذا المذهب في بعض كتبه ، ولما رأى الزمخشري اشتراك المانع بين الشرط الجازم وما في معناه مال إليه خصوصا ، وقوة المعنى تقتضيه فهو الحق انتهى . والجملة الشرطية صفة
رُسُلًا
والرابط محذوف أي رسول منهم ، وإلى هذا ذهب جمهور المعربين . واختار مولانا شيخ الإسلام أن الجملة الشرطية مستأنفة وقعت جوابا عن سؤال نشأ من الإخبار بأخذ الميثاق وإرسال الرسل كأنه قيل : فما ذا فعلوا بالرسل ؟ فقيل : كلما جاءهم رسول من أولئك الرسل بما لا تحبه أنفسهم