تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
ذرياتهم ، وعليه فالمؤقت بالأربعين في الحقيقة تحريمها على ذرياتهم وإنما جعل تحريما عليهم لما بينهما من العلاقة التامة ، وقوله تعالى :
يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ
استئناف لبيان كيفية حرمانهم ، وقيل : حال من ضمير
عَلَيْهِمْ
، والتيه : الحيرة ، ويقال : تاه يتيه ويتوه ، وهو أتوه وأتيه ، فهو مما تداخل فيه الواو والياء ، والمعنى يسيرون متحيرين وحيرتهم عدم اهتدائهم للطريق . وقيل : الظرف متعلق ب
يَتِيهُونَ
، وروي ذلك عن قتادة فيكون التيه مؤقتا والتحريم مطلقا يحتمل التأبيد وعدمه ، وكانت مسافة الأرض التي تاهوا فيها ثلاثين فرسخا في عرض تسعة فراسخ كما قال مقاتل ، وقيل : اثني عشر فرسخا في عرض ستة فراسخ ، وقيل : ستة في عرض تسعة ، وقيل : كان طولها ثلاثين ميلا في عرض ستة فراسخ وهي ما بين مصر والشام ، وذكر أنهم كانوا ستمائة ألف مقاتل وكانوا يسيرون فيصبحون حيث يمسون ويمسون حيث يصبحون - كما قاله الحسن ومجاهد - قيل : وحكمة ابتلائهم بالتيه أنهم لما قالوا :
إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ
عوقبوا بما يشبه القعود ، وكان أربعين سنة لأنها غاية زمن يرعوي فيه الجاهل . وقيل : لأنهم عبدوا العجل أربعين يوما فجعل عقاب كل يوم سنة في التيه وليس بشيء ، وكان ذلك من خوارق العادات إذ التحير في مثل تلك المسافة على عقلاء كثيرين هذه المدة الطويلة مما تحيله العادة ، ولعل ذلك كان بمحو العلامات التي يستدل بها ، أو بأن ألقي شبه بعضها على بعض . وقال أبو علي الجبائي : إنه كان بتحول الأرض التي هم عليها وقت نومهم ويغني اللّه تعالى عن قبوله . و روي أنه كان الغمام يظلهم من حر الشمس وينزل عليهم المنّ والسلوى ، وجعل معهم حجر موسى عليه السلام يتفجر منه الماء دفعا لعطشهم ، قيل : ويطلع بالليل عمود من نور يضيء لهم ولا يطول شعرهم ولا تبلى ثيابهم كما روي عن الربيع بن أنس ، وكانت تشب معهم إذا شبوا كما روي عن طاوس . وذكر غير واحد من القصاص أنهم كانوا إذا ولد لهم مولود كان عليه ثوب كالظفر يطول بطوله ولا يبلى إلى غير ذلك مما ذكروه . والعادة تبعد كثيرا منه فلا يقبل إلا ما صح عن اللّه تعالى ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولقد سألت بعض أحبار اليهود عن لباس بني إسرائيل في التيه ، فقال : إنهم خرجوا من مصر ومعهم الكثير من ثياب القبط وأمتعتهم ، وحفظها اللّه تعالى لكبارهم وصغارهم فذكرت له حديث الظفر ، فقال لم نظفر به وأنكره فقلت له : هي فضيلة فهلا أثبتها لقومك ؟ فقال : لا أرضى بالكذب ثوبا ، واستشكل معاملتهم بهذه النعم مع معاقبتهم بالحيرة ، وأجيب بأن تلك المعاقبة من كرمه تعالى ، وتعذيبهم إنما كان للتأديب كما يضرب الرجل ولده مع محبته له ولا يقطع عنه معروفه ، ولعلهم استغفروا من الكفر إذا كان قد وقع منهم ، وأكثر المفسرين على أن موسى وهارون عليهما السلام كانا معهم في التيه لكن لم ينلهما من المشقة ما نالهم ، وكان ذلك لهما روحا وسلامة كالنار لإبراهيم عليه السلام ، ولعل الرجلين أيضا كانا كذلك . و روي أن هارون مات في التيه واتهم به موسى عليهما السلام فقالوا : قتله لحبنا له فأحياه اللّه تعالى بتضرعه ، فبرأه مما يقولون ، وعاد إلى مضجعه ، ومات موسى عليه السلام بعده بسنة ، وقيل : بستة أشهر ونصف ، وقيل : بثمانية أعوام ، ودخل يوشع أريحا بعده بثلاثة أشهر ، وقال قتادة : بشهرين ، وكان قد نبئ قبل بمن بقي من بني إسرائيل ولم يبق المكلفون وقت الأمر منهم ، قيل - ولا يساعده النظم الكريم - فإنه بعد ما قبل دعوته عليه السلام على بني إسرائيل وعذبهم بالتيه بعيد أن ينجو من نجا ، ويقدر وفاة النبيين عليهما السلام في محل العقوبة ظاهرا ، وإن كان ذلك لهما منزل روح وراحة ، وأنت تعلم أن الأخبار بموتهما عليهما السلام بالتيه كثيرة لا سيما الأخبار بموت هارون عليه