الزجاج : دمشق وفلسطين والأردن « 1 » ، وقال مجاهد هي أرض الطور وما حوله ، وعن معاذ بن جبل هي ما بين الفرات وعريش مصر ، والتقديس التطهير ، ووصفت تلك الأرض بذلك إما لأنها مطهرة من الشرك حيث جعلت مسكن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، أو لأنها مطهرة من الآفات ، وغلبة الجبارين عليها لا يخرجها عن أن تكون مقدسة ، أو لأنها طهرت من القحط والجوع ، وقيل : سميت مقدسة لأن فيها المكان الذي يتقدس فيه من الذنوب .
الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ
أي قدرها وقسمها لكم ، أو كتب في اللوح المحفوظ أنها تكون مسكنا لكم .
روي أن اللّه تعالى أمر الخليل عليه الصلاة والسلام أن يصعد جبل لبنان فما انتهى بصره إليه فهو له ولأولاده فكانت تلك الأرض مدى بصره ، وعن قتادة والسدي أن المعنى التي أمركم اللّه تعالى بدخولها وفرضه عليكم ، فالكتب هنا مثله في قوله تعالى :
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ
[ البقرة : 183 ] وذهب إلى الاحتمالين الأولين كثير من المفسرين ، والكتب على أولهما مجاز ، وعلى ثانيهما حقيقة ، وقيدوه بأن آمنتم وأطعتم لقوله تعالى لهم بعد ما عصوا :
فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ
[ المائدة : 26 ] وقوله سبحانه :
وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ
فإن ترتيب الخيبة والخسران على الارتداد يدل على اشتراط الكتب بالمجاهدة المترتبة على الإيمان قطعا ، والأدبار جمع دبر وهو ما خلفهم من الأماكن من مصر وغيرها ، والجار والمجرور حال من فاعل
تَرْتَدُّوا
أي لا ترجعوا عن مقصدكم منقلبين خوفا من الجبابرة ، وجوز أن يتعلق بنفس الفعل ، ويحتمل أن يراد بالارتداد صرف قلوبهم عما كانوا عليه من الاعتقاد صرفا غير محسوس أي لا ترجعوا عن دينكم بالعصيان وعدم الوثوق باللّه تعالى ، وإليه ذهب أبو علي الجبائي ، وقوله تعالى :
فَتَنْقَلِبُوا
إما مجزوم بالعطف وهو الأظهر ، وإما منصوب في جواب النهي ، قال الشهاب : على أنه من قبيل لا تكفر تدخل النار ، وهو ممتنع خلافا للكسائي ، وفيه نظر لا يخفى ، والمراد بالخسران خسران الدارين
قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ
شديدي البطش متغلبين لا تتأتى مقاومتهم ولا تجز لهم ناصية ، والجبار صيغة مبالغة من جبر الثلاثي على القياس لا من أجبره على خلافه - كالحساس - من الإحساس وهو الذي يقهر الناس ويكرههم كائنا من كان على ما يريده كائنا ما كان ، ومعناه في البخل ما فات اليد طولا ، وكان هؤلاء القوم من العمالقة بقايا قوم عاد وكانت لهم أجسام ليست لغيرهم ، أخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر عن ابن حجيرة قال : استظل سبعون رجلا من قوم موسى عليه السلام في قحف رجل من العمالقة ، وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن زيد بن أسلم قال : بلغني أنه رئيت ضبع وأولادها رابضة في فجاج عين رجل منهم إلى غير ذلك من الأخبار ، وهي عندي كأخبار عوج بن عنق وهي حديث خرافة
وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها
بقتال غيرنا ، أو بسبب يخرجهم اللّه تعالى به فإنه لا طاقة لنا بإخراجهم منها ، وهذا امتناع عن القتال على أتم وجه
فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها
بسبب من الأسباب التي لا تعلق لنا بها
فَإِنَّا داخِلُونَ
فيها حينئذ ، وأتوا بهذه الشرطية - مع كون مضمونها مفهوما مما تقدم - تصريحا بالمقصود وتنصيصا على أن امتناعهم من دخولها ليس إلا لمكانهم فيها ، وأتوا في الجزاء بالجملة الاسمية المصدرة - بأن - دلالة على تقرر الدخول وثباته عند تحقق الشرط لا محالة وإظهارا لكمال الرغبة فيه وفي الامتثال بالأمر
قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ
أي يخافون اللّه تعالى ، وبه قرئ ، والمراد رجلان من المتقين وهما - كما روي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما ومجاهد والسدي والربيع - يوشع بن نون وكالب بن يوقنا ، وفي وصفهم بذلك تعريض بأن من عداهما من القوم لا يخافونه تعالى بل يخافون العدو ، وقيل : المراد بالرجلين ما ذكر ، و
مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ
بنو إسرائيل ؛
هامش
( 1 ) بضم الهمزة وسكون الراء المهملة وضم الدال كذلك وتشديد النون وهي كورة بالشام اه منه .