تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
المراد من التقوى التقوى من الشرك التي هي أول المراتب كما قيل ، ومراده من هذا الجواب أنك إنما أتيت من قبل نفسك لانسلاخها عن لباس التقوى لا من قبلي ، فلم تقتلني وما لك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على تقوى اللّه تعالى التي هي السبب في القبول ؟ ! وهو جواب حكيم مختصر جامع لمعان . وفيه إشارة إلى أن الحاسد ينبغي أن يرى حرمانه من تقصيره ويجتهد في تحصيل ما به صار المحسود محظوظا لا في إزالة حظه ونعمته ، فإن اجتهاده فيما ذكر يضره ولا ينفعه ، وقيل : مراده الكناية عن أنه لا يمتنع عن حكم اللّه تعالى بوعيده لأنه متق والمتقي يؤثر الامتثال على الحياة ، أو الكناية عن أنه لا يقتله دفعا لقتله لأنه متق فيكون ذلك كالتوطئة لما بعده ، ولا يخفى بعده ؛ وما أنعى هذه الآية على العاملين أعمالهم ، وعن عامر بن عبد اللّه أنه بكى حين حضرته الوفاة ، فقيل له : ما يبكيك ، فقد كنت وكنت ؟ قال : إني أسمع اللّه تعالى يقول :
إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ
لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ
قيل : كان هابيل أقوى منه ولكن تحرج عن قتله واستسلم له خوفا من اللّه تعالى لأن المدافعة لم تكن جائزة في ذلك الوقت ، وفي تلك الشريعة - كما روي عن مجاهد - وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج - قال : كانت بنو إسرائيل قد كتب عليهم إذا الرجل بسط يده إلى الرجل لا يمتنع منه حتى يقتله أو يدعه ، أو تحريا لما هو الأفضل الأكثر ثوابا وهو كونه مقتولا لا قاتلا بالدفع عن نفسه بناء على جوازه إذ ذاك ، قال بعض المحققين : واختلف في هذا الآن على ما بسطه الإمام الجصاص فالصحيح من المذهب أنه يلزم الرجل دفع الفساد عن نفسه وغيره وإن أدى إلى القتل ، ولذا قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما وغيره : إن المعنى في الآية
لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ
على سبيل الظلم والابتداء
لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ
على وجه الظلم والابتداء ، وتكون الآية على ما قاله مجاهد وابن جريج : منسوخة ، وهل نسخت قبل شريعتنا أم لا ؟ فيه كلام ، والدليل عليه قوله تعالى :
فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ
[ الحجرات : 9 ] وغيره من الآيات والأحاديث ، وقيل : إنه لا يلزم ذلك بل يجوز ، واستدل بما أخرجه ابن سعد في الطبقات عن خباب بن الأرت عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه ذكر « فتنة القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي فإن أدركت ذلك فكن عبد اللّه المقتول ولا تكن عبد اللّه القاتل » وأولوه بترك القتال في الفتنة واجتنابها وأول الحديث يدل عليه ، وأما من منع ذلك الآن مستدلا بحديث : « إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار » فقد رد بأن المراد به أن يكون كل منهما عزم على قتل أخيه وإن لم يقاتله وتقابلا بهذا القصد انتهى بزيادة . وعن السيد المرتضى أن الآية ليست من محل النزاع لأن اللام الداخلة على فعل القتل لام كي وهي منبئة عن الإرادة والغرض ، ولا شبهة في قبح ذلك أولا وآخرا لأن المدافع إنما يحسن منه المدافعة للظالم طلبا للتخلص من غير أن يقصد إلى قتله ، فكأنه قال له : لئن ظلمتني لم أظلمك وإنما قال سبحانه :
ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ
في جواب
لَئِنْ بَسَطْتَ
للمبالغة في أنه ليس من شأنه ذلك ولا ممن يتصف به ، ولذلك أكد النفي بالباء ولم يقل وما أنا بقاتل بل قال :
بِباسِطٍ
للتبري عن مقدمات القتل فضلا عنه ، وقدم الجار والمجرور المتعلق - ببسطت - إيذانا على ما قيل من أول الأمر برجوع ضرر البسط وغائلته إليه ، ويخطر لي أنه قدم لتعجيل تذكيره بنفسه المنجر إلى تذكيره بالأخوة المانعة عن القتل ، وقوله تعالى :
إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ
تعليل للامتناع عن بسط يده ليقتله ، وفيه إرشاد قابيل إلى خشية اللّه تعالى على أتم وجه ، وتعريض بأن القاتل لا يخاف اللّه تعالى
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ
تعليل آخر لامتناعه عن البسط ، ولما كان كل منهما علة مستقلة لم يعطف أحدهما على الآخر إيذانا بالاستقلال ودفعا لتوهم أن يكون جزء علة لا علة تامة ، وأصل البوء اللزوم ، وفي النهاية : أبوء بنعمتك علي وأبوء بذنبي أي ألتزم وأرجع