آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا
[ آل عمران : 72 ] والتحقيق أنه لا فرق بين المعدى - بإلى - والمعدى - بعلى - إلا بالاعتبار ، فإن اعتبرت مبدأه عديته - بعلى - لأنه فوقاني وإن اعتبرت انتهاء إلى من هو له عديته - بإلى - ويلاحظ أحد الاعتبارين تارة والآخر أخرى تفننا بالعبارة ، وفرق الراغب بأن ما كان واصلا من الملأ الأعلى بلا واسطة كان لفظ - على - المختص بالعلو أولى به ، وما لم يكن كذلك كان لفظ - إلى - المختص بالإيصال أولى به وقيل : أنزل عليه يحمل على أمر المنزل عليه أن يبلغه غيره ، وأنزل اليه يحمل على ما خص به نفسه لأن إليه انتهاء الإنزال - وكلا القولين - لا يخلو عن نظر
وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ
قيل : خص هؤلاء الكرام بالذكر لأن أهل الكتاب يعترفون بنبوتهم وكتبهم ، والمراد بالموصول الصحف - كما هو الظاهر - وقدم المنزل عليه عليه الصلاة والسلام على المنزل عليهم إما لتعظيمه والاعتناء به ، أو لأنه المعرف له ومعرفة المعرف تتقدم على معرفة المعرف ، والأسباط الأحفاد لا أولاد البنات ، والمراد بهم على رأي أبناء يعقوب الاثنا عشر وذراريهم ، وليس كلهم أبناء خلافا لزاعمه
وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى
من التوراة ، والإنجيل ، وسائر المعجزات - كما يشعر به إيثار الإيتاء على الإنزال الخاص بالكتاب - وقيل : هو خاص بالكتابين ، وتغيير الأسلوب للاعتناء بشأن الكتابين ، وتخصيص هذين النبيين بالذكر لما أن الكلام مع اليهود والنصارى
وَالنَّبِيُّونَ
عطف على موسى ، وعيسى أي - وبما أوتي النبيون - على تعدد أفرادهم واختلاف أسمائهم
مِنْ رَبِّهِمْ
متعلق بأوتي ، وفي التعبير بالرب مضافا إلى ضميرهم ما لا يخفى من اللطف .
لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ
أي بالتصديق والتكذيب - كما فعل اليهود والنصارى - والتفريق بغير ذلك كالتفضيل جائز
وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
أي مستسلمون بالطاعة والانقياد في جميع ما أمر به ونهى عنه ، أو مخلصون له في العبادة ، وعلى التقديرين لا تكون هذه الجملة مستدركة بعد جملة الإيمان كما هو ظاهر ، وقيل : إن أهل الملل المخالفة للإسلام كانوا كلهم يقرون بالإيمان ولم يكونوا يقرون بلفظة الإسلام فلهذا أردف تلك الجملة بهذه .
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ
نزلت في جماعة ارتدوا كانوا اثني عشر رجلا وخرجوا من المدينة وأتوا مكة كفارا ، منهم الحرث بن سويد الأنصاري ، والإسلام قيل : التوحيد والانقياد ، وقيل : شريعة نبينا عليه الصلاة والسلام بين تعالى أن من تحرى بعد مبعثه صلى اللّه تعالى عليه وسلم غير شريعته فهو غير مقبول منه ، وقبول الشيء هو الرضا به وإثابة فاعله عليه ، وانتصاب
دِيناً
على التمييز من
غَيْرَ
وهي مفعول
يَبْتَغِ
وجوز أن يكون
دِيناً
مفعول
يَبْتَغِ
و
غَيْرَ
صفة قدمت فصارت حالا ، وقيل : هو بدل من
غَيْرَ الْإِسْلامِ
والجمهور على إظهار الغينين ، وروي عن أبي عمرو الإدغام ، وضعفه أبو البقاء بأن كسرة الغين الأولى تدل على الياء المحذوفة
وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ
إما معطوفة على جواب الشرط فتكون في محل جزم ، وإما في محل الحال من الضمير المجرور فتكون في محل نصب ، وإما مستأنفة فلا محل لها من الإعراب ، و
فِي الْآخِرَةِ
متعلق بمحذوف يدل عليه ما بعده - أي وهو خاسر في الآخرة - أو متعلق - بالخاسرين - على أن الألف واللام ليست موصولة بل هي حرف تعريف ، والخسران في الآخرة هو حرمان الثواب وحصول العقاب ، وقيل : أصل الخسران ذهاب رأس المال ، والمراد به هنا تشييع ما جبل عليه من الفطرة السليمة المشار إليها
في حديث « كل مولود يولد على الفطرة »
وعدم الانتفاع بذلك وظهوره بتحقق ضده
يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
[ الشعراء : 88 ] والتعبير - بالخاسرين - أبلغ من التعبير بخاسر كما أشرنا إليه فيما قبل ؛ وهو منزل منزلة اللازم ولذا ترك مفعوله ، والمعنى - وهو من جملة الواقعين في الخسران - واستدل بالآية على أن الإيمان هو الإسلام إذ لو كان غيره لم يقبل ، واللازم باطل بالضرورة فالملزوم مثله ، وأجيب بأن
فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ
ينفي قبول كل دين يباين دين الإسلام والإيمان ، وإن كان
غَيْرَ الْإِسْلامِ