تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
مبتدأ ثان ، وقوله عزّ شأنه :
أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
خبر المبتدأ الثاني ، وهو وخبره خبر المبتدأ الأول قيل : وهذا يدل بمنطوقه على جواز لعنهم ، ومفهومه ينفي جواز لعن غيرهم ، ولعل الفرق بينهم وبين غيرهم حتى خص اللعن بهم أنهم مطبوع على قلوبهم ممنوعون بسبب خباثة ذواتهم وقبح استعدادهم من الهدى آيسون من رحمة اللّه تعالى بخلاف غيرهم ، والخلاف في لعن أقوام بأعيانهم ممن ورد لعن أنواعهم - كشارب خمر معين مثلا مشهور - والنووي على جوازه استدلالا بما ورد أنه صلى اللّه تعالى عليه وسلم مر بحمار وسم في وجهه فقال : لعن اللّه تعالى من فعل هذا وبما صح أن الملائكة تلعن من خرجت من بيتها بغير إذن زوجها ، وأجيب بأن اللعن هناك للجنس الداخل فيه الشخص أيضا ، واعترض بأنه خلاف الظاهر كتأويل إن وراكبها بذلك - والاحتياط لا يخفى - والمراد من - الناس - إما المؤمنون لأنهم هم الذين يلعنون الكفرة ، أو المطلق لأن كل واحد يلعن من لم يتبع الحق ، وإن لم يكن غير متبع بناء على زعمه
خالِدِينَ فِيها
حال من الضمير في
عَلَيْهِمْ
والعامل فيه الاستقرار ، والضمير المجرور - للعنة - أو للعقوبة ، أو للنار ، وإن لم يجر لها ذكر اكتفاء بدلالة اللعنة عليها
لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ
أي لا يمهلون ولا يؤخر عنهم العذاب من وقت إلى وقت آخر ، أو لا ينظر إليهم ولا يعتد بهم ، والجملة إما مستأنفة ، أو في محل نصب على الحال .
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ
أي الكفر الذي ارتكبوه بعد الإيمان
وَأَصْلَحُوا
أي دخلوا في الصلاح بناء على أن الفعل لازم من قبيل - أصبحوا - أي دخلوا في الصباح ، ويجوز أن يكون متعديا والمفعول محذوف - أي أصلحوا ما أفسدوا - ففيه إشارة كما قيل : إلى أن مجرد الندم على ما مضى من الارتداد ، والعزم على تركه في الاستقبال غير كاف لما أخلوا به من الحقوق ، واعترض بأن مجرد التوبة يوجب تخفيف العذاب ونظر الحق إليهم ، فالظاهر أنه ليس تقييدا بل بيان لأن يصلح ما فسد . وأجيب بأنه ليس بوارد لأن مجرد الندم والعزم على ترك الكفر في المستقبل لا يخرجه منه فهو بيان للتوبة المعتد بها ، فالمآل واحد عند التحقيق .
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
أي فيغفر كفرهم ويثيبهم ، وقيل :
غَفُورٌ
لهم في الدنيا بالستر على قبائحهم « رحيم » بهم في الآخرة بالعفو عنهم - ولا يخفى بعده - والجملة تعليل لما دل عليه الاستثناء .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً
قال عطاء وقتادة : نزلت في اليهود ؛ كفروا بعيسى عليه السلام ، والإنجيل بعد إيمانهم بأنبيائهم وكتبهم ، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم والقرآن ، وقيل : في أهل الكتاب آمنوا برسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم قبل مبعثه ، ثم كفروا به بعد مبعثه ، ثم ازدادوا كفرا بالإصرار والعناد والصد عن السبيل ، ونسب ذلك إلى الحسن ، وقيل : في أصحاب الحارث بن سويد فإنه لما رجع قالوا : نقيم بمكة على الكفر ما بدا لنا فمتى أردنا الرجعة رجعنا فينزل فينا ما نزل في الحارث ، وقيل : في قوم من أصحابه ممن كان يكفر ثم يراجع الإسلام ، وروي ذلك عن أبي صالح مولى أم هانئ . و
كُفْراً
تمييز محول عن فاعل ، والدال الأولى في
ازْدادُوا
بدل من تاء الافتعال لوقوعها بعد الزاي
لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ
قال الحسن ، وقتادة ، والجبائي : لأنهم لا يتوبون إلا عند حضور الموت والمعاينة وعند ذلك لا تقبل توبة الكافر ، وعن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما لأنها لم تكن عن قلب ، وإنما كانت نفاقا ، وقيل : إن هذا من قبيل * ولا ترى الضب بها ينجحر * أي لا توبة لهم حتى تقبل لأنهم لم يوفقوا لها فهو من قبيل الكناية - كما قال العلامة - دون المجاز حيث أريد بالكلام معناه لينتقل منه إلى الملزوم ، وعلى كل تقدير لا ينافي هذا ما دل عليه الاستثناء وتقرر في الشرع كما لا يخفى ، وقيل : إن هذه التوبة لم تكن عن الكفر وإنما هي عن ذنوب كانوا يفعلونها معه فتابوا عنها مع