حكمت نامه جوان ( فارسى ) — صفحة 370
فَنَزَلتُ القادِسِيَّةَ ، فَبَينَما أنَا أنظُرُ إلَى النّاسِ و زينَتِهِم و كَثرَتِهِم نَظَرتُ فَتىً حَسَنَ الوَجهِ فَوقَ ثِيابِهِ ثَوبُ صوفٍ مُشتَمِلًا بِشَملَةٍ و في رِجلَيهِ نَعلانِ ، و قَد جَلَسَ مُنفَرِدا ، فَقُلتُ في نَفسي : هذَا الفَتى مِنَ الصّوفِيَّةِ يُريدُ أن يَكونَ كَلًاّ عَلَى النّاسِ في طَريقِهِم وَ اللّهِ لَأَمضِيَنَّ إلَيهِ و لأُوَبِّخَنَّهُ ، فَدَنَوتُ مِنهُ فَلَمّا رَآني مُقبِلًا قالَ : يا شَقيقُ ، « اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ » . « 1 » ( 1 ) الحجرات : 12 . و تَرَكَني و مَضى فَقُلتُ في نَفسي : إنَّ هذَا الأَمرَ عَظيمٌ قَد تَكَلَّمَ عَلى ما في نَفسي و نَطَقَ بِاسمي ، ما هذا إلّا عَبدٌ صالِحٌ لَأَلحَقَنَّهُ و لَأَسئَلَنَّهُ أن يُحَلِّلَني ، فَأَسرَعتُ في أثَرِهِ فَلَم ألحَقهُ و غابَ عَن عَيني ، فَلَمّا نَزَلنا واقِصَةَ إذا بِهِ يُصَلّي و أعضاؤُهُ تَضطَرِبُ و دُموعُهُ تَجري ، فَقُلتُ : هذا صاحِبي أمضي إلَيهِ و أستَحِلُّهُ فَصَبَرتُ حَتّى جَلَسَ و أقبَلتُ نَحوَهُ ، فَلَمّا رَآني مُقبِلًا . قالَ : يا شقيقُ اقرَأ : « وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى » « 2 » ( 2 ) طه : 20 . ، ثُمَّ تَرَكَني و مَضى ، فَقُلتُ : إنَّ هذَا الفَتى لَمِنَ الأَبدالِ قَد تَكَلَّمَ عَلى سِرّي مَرَّتَينِ فَلَمّا نَزَلنا إلى مِنى إذا بِالفَتى قائِمٌ عَلَى البِئرِ ، و بِيَدِهِ رَكوَةٌ يُريدُ أن يَستَقِيَ فَسَقَطَتِ الرَّكوَةُ مِن يَدِهِ فِي البِئرِ و أنَا أنظُرُ إلَيهِ فَرَأَيتُهُ قَد رَمَقَ السَّماءَ و سَمِعتُهُ يَقولُ : أنتَ رَبّي إذا ظَمِئتُ إلَى الماءِ * و قُوَّتي إذا أرَدتُ الطَّعاما اللّهُمَّ أنتَ تَعلَمُ يا إلهي و سَيِّدي مالي سِواها فَلا تُعدمنِي إيّاها . قالَ شقيقٌ : فَوَ اللّهِ لَقَد رَأَيتُ البِئرَ قَدِ ارتَفَعَ ماؤُها فَمَدَّ يَدَهُ و أخَذَ الرَّكوَةَ و مَلأَها ماءً ، و تَوَضَّأَ و صَلّى أربَعَ رَكَعاتٍ ، ثُمَّ مالَ إلى كَثيبٍ مِن رَملٍ فَجَعَلَ يَقبِضُ بِيَدِهِ و يَطرَحُهُ فِي الرَّكوَةِ و يُحَرِّكُهُ و يَشرَبُ فَأَقبَلتُ إلَيهِ و سَلَّمتُ عَلَيهِ فَرَدَّ عَلَيَّ