و لَقَد أعتَقَ ألفَ مَملوكٍ مِن صُلبِ مالِهِ ، كُلُّ ذلِكَ تَحَفّى « 1 » فيهِ يَداهُ ، و تَعَرَّقَ جَبينُهُ ، التِماسَ وَجهِ اللّهِ عز و جل وَ الخَلاصِ مِنَ النّارِ ، و ما كان قوتُهُ إلَّا الخَلَّ وَ الزَّيتَ ، و حَلواهُ التَّمرُ إذا وَجَدَهُ ، و مَلبوسُهُ الكَرابيسُ ، فَإِذا فَضَلَ عَن ثِيابِهِ شَيءٌ دَعا بِالجَلَمِ فَجَزَّهُ . « 2 » 545 . مروج الذهب : دَخَلَ ضِرارُ بنُ ضَمرَةَ ؛ و كانَ مِن خَواصِّ عَلِيٍّ عَلى مُعاوِيَةَ وافِدا ، فَقالَ لَهُ : صِف لي عَلِيّا . قالَ : أعفِني يا أميرَ المُؤمِنينَ . قالَ مُعاوِيَةُ : لا بُدَّ مِن ذلِكَ . فَقالَ : أمّا إذا كانَ لا بُدَّ مِن ذلِكَ فَإِنَّهُ كانَ وَ اللّهِ بَعيدَ المَدى ، شَديدَ القُوى ، يَقولُ فَصلًا ، و يَحكُمُ عَدلًا ، يَتَفَجَّرُ العِلمُ مِن جَوانِبِهِ ، و تَنطِقُ الحِكمَةُ مِن نَواحيهِ ، يُعجِبُهُ مِنَ الطَّعامِ ما خَشُنَ ، و مِنَ اللِّباسِ ما قَصُرَ . و كانَ و اللّهِ يُجيبُنا إذا دَعَوناهُ ، و يُعطينا إذا سَأَلناهُ ، و كُنّا وَ اللّهِ عَلى تَقريبهِ لَنا و قُربِهِ مِنّا لا نُكَلِّمُهُ هَيبَةً لَهُ ، و لا نَبتَدِئُهُ لِعِظَمِهِ في نُفوسِنا ، يَبسِمُ عَن ثَغرٍ كَاللُّؤلُؤِ المَنظومِ ، يُعَظِّمُ أهلَ الدّينِ ، و يَرحَمُ المَساكينَ ، وَ يُطعِمُ فِي المَسغَبَةِ يَتيما ذا مَقرَبَةٍ أو مِسكينا ذا مَترَبَةٍ ، يَكسُو العُريانَ ، و يَنصُرُ اللَّهفانَ ، وَ يستَوحِشُ مِنَ الدُّنيا و زَهرَتِها ، و يَأنَسُ بِاللَّيلِ و ظُلمَتِهِ . و كَأَنّي بِهِ و قَد أرخَى اللَّيلُ سُدولَهُ ، و غارَت نُجومُهُ ، و هُوَ في مِحرابِهِ قابِضٌ عَلى لِحيَتِهِ ، يَتَمَلمَلُ تَمَلمُلَ السَّليمِ « 3 » ، و يَبكي بَكاءَ الحَزينِ ، و يَقولُ : « يا دُنيا غُرّي غَيري ، إلَيَّ تَعَرَّضتِ أم إلَيَّ تَشَوَّفتِ ؟ هَيهاتَ هَيهاتَ ! لا حانَ حينُكِ ، قَد أبَنتُكِ ثَلاثا لا رَجعَةَ لي فيكِ ، عُمُرُكِ قَصيرٌ ، و عَيشُكِ حَقيرٌ ،
حكمت نامه جوان ( فارسى ) — صفحة 354
مساهمون: محمد الريشهري
ص٣٥٤
هامش
( 1 ) تحفّى : بالغ ، أو من الحَفا : و هو رقّة القدم ( لسان العرب : ج 14 ص 186 187 ) .
( 2 ) الكافي : ج 8 ص 163 ح 173 .
( 3 ) السَّلِيم : اللديغ . يقال : سَلَمَتهُ الحيّة ؛ أي لدَغَته ( لسان العرب : ج 12 ص 292 ) .