والفطري أو التهديد والترغيب ، لذا فإن كلمة " صرفنا " تناسب هذا التنوع في هذا
المقام .
القرآن الكريم يريد أن يقول : إننا سلكنا مختلف الطرق ، وفتحنا مختلف
الأبواب من أجل أن ننير قلوب هؤلاء العميان بضياء التوحيد ، ولكن مجموعة
من هؤلاء وصل بهم التعصب والعناد واللجاجة إلى درجة أن كل هذه الوسائل لم
تؤثر في جذبهم إلى الحقيقة ، بل إنها زادت في ابتعادهم ونفورهم .
وهنا قد يطرح هذا السؤال : إذا ما الفائدة من ذكر كل ذلك ، إذا كانت النتائج .
معكوسة ؟
إن جواب هذا السؤال واضح ، إذ أن القرآن لم ينزل لفرد أو لمجموعة خاصة ،
ولكنه للمجتمع كافة ، وطبيعي أن جميع الناس ليسوا على منوال المعاندين ، إذ
هناك الكثير ممن يتبع طريق الحق إذا استبانت له أدلته من هذا النوع من الأدلة
القرآنية ، بالرغم من أنها تؤدي بمجموعة أخرى من فاقدي بصيرة القلب إلى
المزيد من العناد .
إضافة إلى أن وجود هؤلاء المعاندين مفيد للمجموعة الأخرى التي تقبل
الحق وتنصاع إليه ، إذ يستبين من ينصاع للحق طريقة من خلال النظر إلى سلوك
المعاندين إذ أن تقابل الظلمة والنور يوضح قيمة النور أكثر ( الأشياء تعرف
بأضدادها ) كما أن تعلم الأخلاق والآداب يمكن أن يتم - أحيانا - بتوسط عديمي
الأدب والخلق .
وهذا في الواقع درس مفيد في القضايا التربوية والتبليغية ، إذ يمكن أن
نستفيد من هذه الآية ضرورة سلوك طرق مختلفة ووسائل متعددة لتحقيق
الأهداف التربوية المنشودة ، حيث أن الاقتصار على طريق واحد يخالف التنوع
الكبير في أذواق الناس ومؤهلاتهم ، وبالتالي يجافي الطريق الصحيح الذي ينبغي
أن يتبع .
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 6
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٦