أليس معنى هذا الكلام أن السير التكاملي للإنسان سيستمر هناك ، بالرغم
من أنه لا يعمل عملا ، غير أنه سيديم سيره التكاملي بواسطة معتقداته وأعماله في
هذه الدنيا ؟ !
وبعد الوصف الإجمالي للجنة ونعمها المادية والمعنوية ، تعرف الآية أهل
الجنة في جمله قصيرة ، فتقول : تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا
وعلى هذا فإن مفتاح باب الجنة مع كل تلك النعم التي مرت ليس إلا " التقوى " .
وبالرغم من أن التعبير ب " عبادنا " فيه إشارة إجمالية إلى الإيمان والتقوى ،
غير أن المحل هنا لا يكتفى فيه بالإشارة الإجمالية ، بل لابد من بيان هذه الحقيقة
بصراحة ، بأن الجنة محل المتقين فقط .
ونواجه هنا مرة أخرى كلمة الإرث ، والتي تطلق عادة على الأموال التي
تنتقل من شخص إلى آخر بعد موته ، في حين أن الجنة ليست مملوكة لأحد حتى
يمكن توريثها للآخرين .
ويمكن الإجابة على هذا السؤال عن طريقين :
1 - إن الإرث من الناحية اللغوية جاء بمعنى التمليك ، ولا ينحصر بالانتقال
المالي من الميت إلى الورثة .
2 - إننا نقرأ في حديث عن النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " ما من أحد إلا وله منزل في
الجنة ومنزل في النار ، فأما الكافر فيرث المؤمن منزله من النار ، والمؤمن يرث
الكافر منزله من الجنة " ( 1 ) .
ويلزم هنا أيضا ذكر هذه النكتة ، وهي أن الوارثة التي وردت بذلك المعنى
في الحديث ليست على أساس العلاقة النسبية ، بل على أساس التقوى الدينية
والعملية .
ويستفاد هذا المعنى أيضا من سبب النزول الذي ذكره بعض المفسرين
هامش
1 - نور الثقلين ، الجزء 2 ، ص 31 . وقد بحثنا في هذا الباب ذيل الآية ( 42 ) من سورة الأعراف من هذا التفسير .