ولم يعص هذا الأمر إلا إبليس : إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين .
وهنا سأل الله إبليس : قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين .
فأجاب إبليس بعد أن كان غارقا في بحر الغرور المظلم ، وتائها في حب
النفس المقتم ، وبعد أن غطى حجاب الخسران عقله . . أجاب بوقاحة قال لم
أكن لا سجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون . . فأين النار المضيئة من
التراب الأسود المتعفن ! وهل لموجود شريف مثلي أن يتواضع ويخضع لموجود
أدنى منه ! أي قانون هذا ؟ ! . .
ونتيجة للغرور وحب النفس ، فقد جهل أسرار الخليقة ، ونسي بركات التراب
الذي هو منبع كل خير وبركة ، والأهم من ذلك كله . . فقد تجاهل شرافة تلك الروح
التي أودعها الرب في آدم . . وكنتيجة طبيعية لهذا السلوك المنحرف فقد هوى من
ذلك المقام المرموق بعد أن أصبح غير لائق لأن يكون في درجة الملائكة وبين
صفوفهم ، فجاء الأمر الإلهي مقرعا : قال فأخرج منها فإنك رجيم ، أي أخرج
من الجنة ، أو من السماوات أو اخرج من بين صفوف الملائكة .
واعلم يا إبليس بأن غرورك أصبح سببا لكفرك ، وكفرك قد أوجب طردك
الأبدي وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين أي ، إلى يوم القيامة .
وهنا . . حينما وجد إبليس نفسه مطرودا من الساحة الإلهية ، ساوره إحساس
بأن خلق الإنسان هو سبب شقائه فاشتعلت نار الحقد والضغينة في قلبه لينتقم
لنفسه من أولاد آدم ( عليه السلام ) .
فبالرغم من أن السبب الحقيقي يرجع إلى إبليس نفسه وليس لآدم دخل في
ذلك ، إلا أن غروره وحبه لنفسه وعناده المستحكم لم يعطياه الفرصة لدرك حقيقة
شقاءه ، ولهذا قال رب فانظرني إلى يوم يبعثون ، ليركز عناده وعداءه !
وقبل الله تعالى طلبه : قال فإنك من المنظرين .
ولكن ليس إلى يوم يبعثون كما أراد ، بل إلى يوم الوقت المعلوم . فما هو
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 62
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٦٢