السماوي للمسلمين ، وآخر حلقة في الكتب السماوية ، فقال تعالى أولا : إن
هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم .
" أقوم " صيغة تفضيل مشتقة من " قيام " حيث يكون الإنسان فيها على أحسن
حالاته حينما يريد أن يشرع بعمل ما ، لذلك فإن " القيام " كناية عن أفضل الصيغ
التي ينجز فيها الإنسان الأعمال التي يباشرها ، أو يستعد لمباشرتها .
" الاستقامة " مشتقة أيضا من مادة " قيم " وهي بمعنى الاعتدال والاستواء
والثبات .
وبما أن " أقوم " هي " أفعل تفضيل " بمعنى الأكثر ثباتا واستقامة واعتدالا ،
فإن معنى الآية أعلاه ، هو أن القرآن الكريم يمثل أقصر وأفضل طرق الاستقامة
والثبات والهداية وبهذا فإن الطريق القويم .
من وجهة نظر العقائد والأفكار ، يتمثل بالعقائد الواضحة ، القابلة للهضم
والإدراك والفهم ، والتي تكون أساسا للعمل ، وتعبئة الطاقات الإنسانية باتجاه
الإعمار والبناء . العقيدة الأقوم هي العقيدة الخالية من الخرافات والأوهام ، وهي
التي توائم بين الإنسان وعالم الوجود والطبيعة من حوله .
العقيدة الأقوم من هذه الزاوية ، هي التي توافق بين الاعتقاد والعمل ، والظاهر
والباطن ، الفكر والمنهج ، وتدفع الإنسان والجميع نحو الله .
أما الأقوم من وجهة نظر القوانين الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية
والسياسية ، التي تسود المجتمع ، فهي تلك التي تربي في المجتمع الإنساني
الجوانب المادية والمعنوية وتدفع الجميع نحو التكامل والاتساق .
والأقوم من وجهة النظر العبادية والأخلاقية ، هو كل ما يجعل الإنسان في
المركز الوسط بين الإفراط والتفريط ، ويجعله في موقع الاعتدال بين الإسراف
والبخل ، بين الاستضعاف والاستكبار .
وأخيرا فإن المنهج الأقوم بالنسبة للنظم والسلطات الحاكمة ، هو كل ما
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 414
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٤١٤