فكما أن نعمة الأمن والرفاه قد غطت كامل وجودهم في البداية ، فها هم وقد
حال بهم الأمر لأن يحل الفقر والخوف محلها في آخر مطافهم نتيجة لكفرانهم بنعم
الله سبحانه .
3 4 - أثر كفران النعمة في تضييع المواهب الإلهية
رأينا في الرواية المتقدمة كيف راح أولئك المرفهون بتطهير أجسادهم
بواسطة المواد الغذائية بعد أن تسلطت عليهم الغفلة وساورهم الغرور ، حتى
ابتلاهم الله بالقحط والخوف .
وعرض الحادثة ما هو إلا تنبيه للناس ولكل الأمم الغارقة بالنعم الإلهية ،
على أن الإسراف والتبذير وتضييع النعم لا ينجو من عقوبة وغرامة ثقيلة الوقع .
وهو تنبيه أيضا للذين يرمون نصف غذائهم ( الزائد عن الحاجة ) في أكياس
الأوساخ دائما .
وهو تنبيه كذلك لأولئك الذين يهيئون غذاء يكفي لعشرين شخصا ، وليس لهم
من الضيوف إلا أربعة ، ولا يصل الزائد منه إلى بطون الجياع من الناس .
وهو تنبيه للذين يجمعون المواد الغذائية في بيوتهم لاستعمالهم الخاص ،
ويملؤون مخازنهم انتظارا لارتفاع سعرها في الأسواق حتى يفسد ويذهب هباء
من غير أن يستفيدوا من بيعها بسعر مناسب قبل فسادها .
نعم ، فلا يخلو أي عمل مما ذكر من عقوبة إلهية ، وأقل ما يعاقبون به هو سلب
تلك النعم عنهم .
وتتضح أهمية المسألة إذا علمنا أن المواد الغذائية على سطح الكرة الأرضية
محددة بنسبة ، فأي إفراط في أي نوع من المواد يؤدي إلى حرمان نسبة من البشر
من تلك المواد .
ولذلك جاء التأكيد الشديد حول هذه المسألة في الأحاديث الشريفة ، حتى
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 354
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٣٥٤