الأئمة عليهم السلام فوجودهم إذن من أوضح وأفضل النعم الإلهية ( وقد
ذكر هنا لأنه أحد المصاديق الجلية لنعم الله سبحانه ) .
3 2 - صراع الحق مع الباطل
لقد توقف بعض المفسرين عند كلمة " ثم " من قوله تعالى : يعرفون نعمة
الله ثم ينكرونها ، لأن استعمالها عادة كأداة عطف مع وجود فاصلة بين أمرين ،
ولذلك فثمة فاصلة بين معرفتهم لنعم الله وبين إنكارهم للنعم ، فقالوا : إن الهدف
من هذا التعبير تبيان ما ينبغي عليهم من الاعتراف بالتوحيد بعد معرفتهم بنعمة
الله ، وكان عليهم أن يذعنوا لذلك الاعتراف ، إلا أنهم ساروا في طريق الباطل !
فاستبعد القرآن عملهم وعبر عن ذلك بكلمة " ثم " .
ونحتمل أن " ثم " هنا إشارة إلى معنى خفي ، خلاصته : أن دعوة الحق عندما
تتوغل إلى دواخل الروح الإنسانية عن طريق أصولها المنطقية السليمة ، فإنها
ستصطدم مع عوامل السلب والإنكار الموجود فيه أحيانا ، فيستغرق ذلك الجدال
أو الصراع الداخلي مدة تتناسب مع حجم قوة وضعف تلك العوامل ، فإن كانت
عوامل النهي والإنكار أقوى فإنها ستغلبها بعد مدة . . وعبر القرآن عن تلك الحالة
بكلمة " ثم " .
والآيتان ( 64 و 65 ) ، من سورة الأنبياء ضمن عرضهما لقصة إبراهيم ( عليه السلام )
تتحدثان عن قوة احتجاج نبي الله إبراهيم ( عليه السلام ) بعد أن حطم أصنامهم جميعها إلا
كبيرها مما تركهم في الوهلة الأولى يغوصون في تفكير عميق ، مما حدا بهم لأن
يلوموا أنفسهم وكادوا أن يهتدوا إلى الحق لولا وجود تلك الرواسب من العوامل
السلبية في نفوسهم ( التعصب ، الكبر ، العناد ) التي أمالت كفة انحرافهم على قبول
دعوة الحق ، فعادوا من جديد إلى ما كانوا عليه ، ولوصف تلك الحالة نرى القرآن
قد استعمل كلمة " ثم " أيضا : فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون ثم
نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون .
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 286
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٨٦