" تجأرون " : من مادة ( الجؤار ) على وزن ( غبار ) ، بمعنى صوت الحيوانات
والوحوش الحاصل بلا اختيار عند الألم ، ثم استعملت كناية في كل الآهات غير
الاختيارية الناتجة عن ضيق أو ألم .
إن اختيار هذه العبارة هنا إشارة إلى أنه عندما تتراكم عليكم الويلات ويحل
بكم البلاء الشديد تطلقون حينها صرخات الاستغاثة اللا اختيارية . . وأنتم بهذه
الحال ، أتوجهون النداء لغيره سبحانه وتعالى ؟ ! فلماذا إذن في حياتكم الاعتيادية
وعندما تواجهون المشاكل اليسيرة تلتجؤون إلى الأصنام ؟ !
نعم . فالله سبحانه يمسع نداءكم في كل الحالات ويغيثكم ويرفع عنكم
البلاء ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون بالعود إلى
الأصنام !
وفي الحقيقة . . . فالقرآن في الآية يشير إلى فطرة التوحيد في جميع الناس ،
إلا أن حجب الغفلة والغرور والجهل والتعصب والخرافات تغطيها في الأحوال
الاعتيادية .
ولكن ، عندما تهب عواصف البلاء تنقلع تلك الحجب فيظهر نور الفطرة براقا
من جديد ليرى الناس لمن يتوجهون ، فيدعون الله مخلصين بكامل وجودهم ،
فيرفع عنهم أغطية البلاء المتأتية من تلك الحجب ، ( لاحظوا أن الآية قالت :
كشف الضر أي : رفع أغطية البلاء ) .
ولكن . . عندما تهدأ العاصفة ويرتفع البلاء وتعودون إلى شاطئ الأمان ،
تعاودون من جديد على الغفلة والغرور ، وتظهرون الشرك بعبادتكم للأصنام
مجددا !
وفي آخر آية ( من الآيات مورد البحث ) يأتي التهديد بعد إيضاح الحقيقة
بالأدلة المنطقية : ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون .
ويشبه ذلك بتوجيه النصائح والإرشادات لمنحرف متخلف لا يفيد معه هذا
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 214
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢١٤