3 3 - العبادة والتكامل
وكما هو معلوم فإن الإنسان قد بدأ انطلاقته في الحياة من نقطة العدم ولا
يزال يسير نحو المطلق ، ولن تتوقف عجلة تكامله ( ما دام مداوما على الطريق ) كما
أنه يمتلك مقومات السير ويمتاز بقابلية فائقة واستعداد كامل في طلبه للتكامل ،
هذا من جهة .
ومن جهة أخرى تعتبر العبادة مدرسة عالية للتربية ، لأنها توقظ عقل
الإنسان ، وتوجه فكره نحو المطلق ، وتغسل غبار الذنوب والغفلة من قلبه وروحه ،
وتنمي فيه الصفات الإنسانية الرفيعة ، وتقوي إيمانه وتجعله أكثر وعيا وأكبر
مسؤولية .
فلا يمكن للإنسان الواقعي أن يستغني عن هذه المدرسة الراقية ، أما الذين
يعتقدون بأن الإنسان قد يصل إلى درجة معينة لا يحتاج عندها إلى العبادة ،
فأولئك إما أنهم يعتبرون عملية تكامل الإنسان محدودة وتنتهي بحد معين ، أو أنهم
لم يدركوا معنى العبادة حقا .
وللعلامة الطباطبائي ( رحمه الله ) في تفسير الميزان بيان بهذا الشأن ، إليك ملخصه ، ( إن
كل نوع من أنواع الموجودات له غاية كمالية ، وكذلك الإنسان له غاية تكاملية لا
ينالها إلا بالاجتماع المدني ، ولهذا فهو اجتماعي بالطبع ، وإن تحقق هذا الاجتماع
فسيحتاج أفراد المجتمع إلى أحكام وقوانين يتنظم باحترامها والعمل بها شتات
أمورهم ، وترتفع بها اختلافاتهم الضرورية ، ويقف بها كل منهم في موقفه الذي
ينبغي له ، ويحوز بها سعادته وكماله الوجودية .
وبعبارة أخرى : إن كان المجتمع الإنساني صالحا أمكن لأفراده الوصول إلى
هدفهم النهائي في الكمال ، وإن فسد المجتمع تخلف أفراده عن هذا التكامل .
وإن هذه الأحكام والقوانين سواء كانت اجتماعية أو عبادية ، لا تكون مؤثرة
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 121
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٢١