* * *
2 ملاحظتان
1 - جملة : فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل تشير إلى أن فئة من بين
الأمم كانوا لا يسلمون أمام دعوة أي نبي ومصلح ، واستمروا في الثبات على
موقفهم ، ولم تكن تؤثر فيهم دعوة الأنبياء المتكررة أدنى أثر ، وبناء على هذا فإن
الجملة المذكورة تشير إلى طائفة وقفت في وجه دعوة أنبياء متعددين في زمانين
( وهذا هو ظاهر الجملة حيث أن مرجع كل الضمائر واحد ) .
وقد احتمل أيضا في معنى هذه الآية أنها تشير إلى جماعتين مختلفتين ،
إحداهما كانت في زمن نوح وكذبت دعوته ، والأخرى هم الذين جاؤوا بعد أولئك
وسلكوا طريقهم في إنكار وتكذيب الأنبياء ، وبناء على هذا ، فإن معنى الجملة
يصبح : إن المعتدين أقوام آخرين امتنعوا عن الإيمان بالشئ الذي امتنع
الماضون عن الإيمان به .
طبعا ، بملاحظة أن مخالفي دعوة نوح قد هلكوا أثناء الطوفان ، سيقوى هذا
الاحتمال في تفسير هذه الآية ، إلا أن ذلك يستلزم على كل حال أن نفرق بين
مرجع الضمائر في الجملة ، وهي واو الجمع في كانوا ، وليؤمنوا ، وكذبوا .
2 - من الواضح أن جملة : كذلك نطبع على قلوب المعتدين لا تدل على
الجبر ، وقد أخفي تفسير ذلك فيها ، لأنها تقول : إننا نطبع على قلوب المعتدين
حتى لا يدركوا شيئا ، وبناء على هذا فإن الاعتداءات المتكررة المتلاحقة على
حدود الأحكام الإلهية والحق والحقيقة كانت تصدر من هؤلاء ، وكانت تترك
أثرها على قلوبهم تدريجيا حتى سلبت منهم قدرة تشخيص وتعيين الحق ،
ووصل الأمر بهم إلى أن يصبح التمرد والعصيان والمعصية طبيعة ثانية لديهم ،
بحيث لا يذعنون ولا يسلمون أمام أية حقيقة ( 1 ) .
هامش
( 1 ) ذكرنا تفصيل هذا المطلب في المجلد الأول ذيل الآية ( 7 ) من سورة البقرة .