وفي ذلك الوضع كان البعض من اليهود حين يتذكرون سلطتهم القوية
السابقة ، كانوا يقولون استهزاء وسخرية - إن يد الله أصبحت مقيدة بالسلاسل
( والعياذ بالله ) وأنه لم يعد يعطف على اليهود ! ويقال : أن المتفوه بهذا الكلام كان
الفخاس بن عازوراء رئيس قبيلة بني القينقاع ، أو النباش بن قيس كما ذكر بعض
المفسرين .
وبما أن سائر أبناء الطائفة اليهودية أظهروا الرضى عن أقوال كبار قومهم
هؤلاء ، لذلك جاء القرآن لينسب هذه الأقوال إلى جميعهم ، كما تقول الآية :
قالت اليهود يد الله مغلولة . . .
ويجب الانتباه إلى أن كلمة ( اليد ) تطلق في اللغة العربية على معان كثيرة
ومنها ( اليد العضوية ) كما أن معانيها ( النعمة ) و ( القدرة ) و ( السلطة ) و ( الحكم ) ،
وبديهي أن المعنى الشائع لها هو اليد العضوية .
ولما كان الإنسان ينجز أغلب أعماله المهمة بيده ، فقد أطلقت من باب الكناية
على معان أخرى .
وتفيدنا الكثير من الروايات الواردة عن أهل البيت ( عليهم السلام ) أن هذه الآية تشير
إلى ما كان اليهود يعتقدون به حول القضاء والقدر والمصير والإرادة ، حيث كانوا
يذهبون إلى أن الله قد عين كل شئ منذ بدء الخليقة ، وأن كل ما يجب أن يحصل
قد حصل ، وأن الله لا يستطيع من الناحية العملية ايجاد تغيير في ذلك ( 1 ) .
وبديهي أن تتمة الآية التي تتضمن عبارة بل يداه مبسوطتان - كما
سيأتي شرحه - تؤيد المعنى الأول ، كما يمكن أن يقترن المعنى الثاني بالمعنى
الأول في مسير واحد ، لأن اليهود حين أفل نجم سلطانهم ، كانوا يعتقدون أن هذا
الأفول هو مصيرهم المقدر ، وأن يد الله مقيدة لا تستطيع فعل شئ أمام هذا
المصير .
هامش
1 - تفسير نور الثقلين ، ج 1 ، ص 649 ، تفسير البرهان ، ج 1 ، ص 486 .