وسيأتي شرح هذا الموضوع في تفسير نفس هذه الآيات .
لقد بدأت الآية الأولى - من الآيتين الأخيرتين - الخطاب بعبارة يا أيها
الرسول وقد وردت هذه العبارة في مكانين من القرآن : أولهما في الآية موضوع
البحث ، والثاني في الآية ( 67 ) من نفس هذه السورة والتي تتعرض لقضية الولاية
والخلافة . وربما جاء استخدام هذا التعبير من أجل إثارة أكثر لدافع الشعور
بالمسؤولية لدى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وتعزيز ارادته ، ومخاطبته بأنه هو رسول الله ، وعليه
أن يستقيم ويصمد في ابلاغ الحكم المكلف به .
بعد ذلك تطمئن الآية النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) - كتمهيد لبيان الحكم التالي - فتقول : لا
يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن
قلوبهم . ويرى البعض أن عبارة يسارعون في الكفر تختلف عن عبارة
" يسارعون إلى الكفر " وذلك لأن العبارة الأولى تقال بشأن أفراد كافرين غارقين
في كفرهم ، ويتسابقون فيما بينهم للوصول إلى آخر مرحلة من الكفر ، أما العبارة
الثانية فتقال في من يعيشون خارج حدود الكفر لكنهم يتسابقون للوصول إليه ( 1 ) .
وبعد أن تذكر الآية تجاوزات المنافقين والأعداء الداخليين ، تتناول وضع
الأعداء الخارجيين واليهود الذين كانوا سببا لحزن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فتقول الآية :
ومن الذين هادوا . . .
ثم تشير الآية إلى قسم من تصرفات هؤلاء المشوبة بالنفاق والرياء ، وفتؤكد
أنهم إنما يستمعون كلام النبي لا لأجل اطاعته ، بل لكي يجعلوا من ذلك وسيلة
لتكذيب النبي والافتراء عليه حيث تقول الآية : سماعون للكذب .
ولهذه الجملة القرآنية تفسير آخر ، هو أن هؤلاء اليهود يستمعون كثيرا إلى
أكاذيب قادتهم وزعمائهم ، لكنهم لا يبدون استعدادا لاستماع قول الحق
هامش
1 - المنار ، ج 6 ، ص 388 .