و إنى خفت أنى إن أخذت فى شرح قول أبى بكر الكتّانى : « إنّ بين العبد و الحقّ ألف مقام من نور و ظلمة » طوّلت علىّ و عليهم . فذكرت أبنية تلك المقامات ، التى تشير إلى تمامها ، و تدلّ على مرامها . و أرجولهم ، بعد صدق قصدهم ، ما قال أبو عبيد البسرى : « إنّ للّه عبادا ، يريهم فى بداياتهم ما فى نهاياتهم . »
ثمّ إنى رتّبته لهم فصولا و أبوابا ، يغنى ذلك الترتيب عن التطويل المؤدّى إلى الملال ، و يكون مندوحة عن التسآل . فجعلته مائة مقام ، مقسومة على عشرة أقسام .
و قد قال الجنيد : « قد ينقل العبد من حال إلى حال أرفع منها ، و قد بقى عليه من التى نقل عنها بقيّة ، فيشرف عليها من الحالة الثانية فيصلحها . »
و عندى أنّ العبد لا يصحّ له مقام ، حتى يرتفع عنه ، ثمّ يشرف عليه ، فيصحّحه .
و اعلم أنّ السائرين فى هذه المقامات على اختلاف « 1 » مفظع ، لا يجمعهم ترتيب قاطع ، و لا يقفهم منتهى جامع .
و قد صنّف جماعة من المتقدّمين و المتأخّرين فى هذا الباب تصانيف ، عساك لا تراها - أو أكثرها على حسنها « 2 » ، مغنية كافية . منهم من أشار إلى الأصول ، و لم يف « 3 » بالتفصيل ؛ و منهم من جمع الحكايات ، و لم يلخّصها تلخيصا ، و لم يخصّص النكتة تخصيصا ؛ و منهم من لم يميز بين مقامات الخاصّة و ضرورات العامّة ؛ و منهم من عدّ شطح المغلوب مقاما ، و جعل بوح الواجد و رمز المتمكّن شيئا عاما ؛ و أكثرهم لم ينطق عن الدرجات .
و اعلم أنّ العامّة من علماء هذه الطائفة و المشيرين « 4 » إلى هذه الطريقة ، اتّفقوا على أنّ النهايات لا تصحّ إلّا بتصحيح البدايات ؛ كما أنّ الأبنية لا تقوم إلّا على الأساس .
و تصحيح البدايات هو إقامة الأمر على مشاهدة الإخلاص و متابعة السّنّة ، و تعظيم النهى على مشاهدة الخوف و رعاية الحرمة ، و الشفقة على العالم ببذل النصيحة و كفّ المؤنة ، و مجانبة كل صاحب يفسد الوقت و كل سبب يفتن « 5 » القلب .
هامش
( 1 ) - ك : اختلاف عظيم .
( 2 ) - ك : حسنه .
( 3 ) - ك : يشف .
( 4 ) - د خ : المبشرين .
( 5 ) - د خ : يقسى .