في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا .
ويرد هنا سؤال وهو : كيف يكون قتل إنسان واحد مساويا لقتل الناس
جميعا ، وكيف يكون إنقاذ إنسان من الموت بمثابة إنقاذ الإنسانية جمعاء من
الفناء ؟
ولقد وردت أجوبة عديدة من قبل المفسرين على هذا السؤال . . . جاء في
تفسير " التبيان " ستة أجوبة عليه ، وفي " مجمع البيان " خمسة أجوبة ، وفي " كنز
العرفان " أربعة أجوبة ، ولكن بعضا من هذه الأجوبة يبتعد كثيرا عن معنى هذه
الآية .
وكما قلنا في بداية تفسير هذه الآية ، فإنها تتحدث عن حقيقة اجتماعية
تربوية ، لأنه : أولا : إن من يقتل إنسانا بريئا ويلطخ يده بدم برئ يكون - في
الحقيقة - مستعدا لقتل أناس آخرين يساوونه في الإنسانية والبراءة ، فهو - في
الحقيقة - إنسان قاتل ، وضحيته إنسان آخر برئ ، ومعلوم أنه لا فرق بين الأبرياء
من الناس من هذه الزاوية .
كما أن أي إنسان يقوم - بدافع حب النوع الإنساني - بإنقاذ إنسان آخر من
الموت ، يكون مستعدا للقيام بعملية الإنقاذ الإنسانية هذه بشأن أي إنسان آخر ،
فهذا الإنسان المنقذ يحب إنقاذ الناس الأبرياء ، لذلك لا فرق لديه بين إنسان
برئ وآخر مثله .
ونظرا لكلمة " فكأنما " التي يستخدمها القرآن في هذا المجال ، فإننا نستدل
بأن موت وحياة إنسان واحد ، مع أنه لا يساوي موت وحياة المجتمع ، إلا أنه
يكون شبيها بذلك .
وثانيا : إن المجتمع يشكل في الحقيقة كيانا واحدا ، وأعضاؤه أشبه بأعضاء
الجسد الواحد ، وأن أي ضرر يصيب أحد أعضائه يكون أثره واضحا - بصورة أو
بأخرى - في سائر الأعضاء ، ولأن المجتمع البشري يتشكل من الأفراد ، لذلك
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 686
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٦٨٦