هي آيات عامة قابلة للتخصيص - ولكن لا يمكن الحكم بصحة هذا القول ، لأنه
يتناقض ومنطق هذه الآية التي اعتبرت التوبة نعمة ومنة من الله على المذنبين ،
وأكدت ذلك بالقرائن ، لذلك لا يمكن تخصيص هذه الآيات ، فهي - كما في
الاصطلاح - تأبى التخصيص .
إضافة إلى ذلك كله فقد يحتمل أن يلجأ مرتكب القتل العمد إلى التوبة ،
ويخلص الطاعة لله في بقية عمره ، ويتجنب ارتكاب الذنوب ولا يعصي الله بعد
ذلك ، ولا يعمد إلى ارتكاب جريمة قتل مشابهة ، فهل يصح أن ييأس التائب - في
مثل هذه الحالة - من رحمة الله وعفوه ومغفرته ؟ وهل يجوز القول بأن هذا
الشخص مع توبته وندمه وسيبقى مشمولا بعذاب الله المؤبد ؟ إن القول برفض
توبة إنسان كهذا يكون مخالفا لروح التعاليم الدينية السامية التي جاء بها الأنبياء
لتربية البشر وهدايتهم في جميع مراحل التاريخ .
والذي نلاحظه في تاريخنا الإسلامي ، هو أن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد عفا عن أخطر
المجرمين من أمثال " وحشي " الذي قتل " حمزة بن عبد المطلب " عم النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم )
وقبل النبي توبته ، وكذلك لا يمكن القول بأن ارتكاب جريمة القتل في حال
الشرك يختلف عنه في حال الإيمان ، بحيث يقال باحتمال التغاضي والعفو عن
الجريمة في الحالة الأولى ، وعدم احتماله في حالة الإيمان ، وقد سبق أن علمنا
أن ليس هناك ذنب أعظم من الشرك بالله ، وعرفنا أن هذا الذنب - أيضا - قابل
للتوبة وان الله يعفو عن المشرك إذا تاب عن شركه واعتنق الإسلام . . . فكيف -
والحالة هذه - يمكن القول بأن جريمة القتل العمد - التي لم يذكر القرآن أنها أعظم
الجرائم ليست قابلة للتوبة أو العفو ؟
إن قولنا بأن جريمة قتل العمد قابلة للتوبة والعفو لا يقلل من عظم خطورة
هذه الجريمة ، وقبول التوبة في هذا المجال لا يعني أن التوبة متيسرة بسيطة في
مثل هذه الحالة ، بل أنها من أصعب الأمور ، وهي إن أريد تحقيقها - تحتاج إلى
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 393
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٣٩٣