تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
والمراد من " الأمر " هنا هو دين الحق الذي مرت الإشارة إليه في الآية السابقة أيضا ، حيث قالت : بينات من الأمر . ولما كان هذا المسير مسير النجاة والنصر ، فإن الله سبحانه يأمر النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بعد ذلك أن فاتبعها . وكذلك لما كانت النقطة المقابلة ليس إلا اتباع أهواء الجاهلين ورغباتهم ، فإن الآية تضيف في النهاية : ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون . في الحقيقة ، لا يوجد إلا طريقان : طريق الأنبياء والوحي ، وطريق أهواء الجاهلين وميولهم ، فإذا ولى الإنسان دبره للأول فسيقع في الثاني ، وإذا توجه الإنسان إلى ذلك السبيل فسينفصل عن خط الأنبياء ويبتعد عنهم ، وبذلك فإن القرآن أبطل كل البرامج الإصلاحية التي لا تستمد تعليماتها من مصدر الوحي الإلهي . والجدير بالانتباه أن بعض المفسرين قالوا : إن رؤساء قريش أتوا النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وقالوا : ارجع إلى دين آبائك ، فإنهم كانوا أفضل منك وأسلم . وكان النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لا يزال في مكة ، فنزلت الآية أعلاه ( 1 ) وأجابتهم بأن طريق الوصول إلى الحق هو الوحي السماوي الذي نزل عليك ، لا ما يمليه هوى هؤلاء الجاهلين ورغبتهم . لقد كان القادة المخلصون يواجهون دائما وساوس الجاهلين هذه عندما يأتون بدين جديد ويطرحون أفكارا بناءة طاهرة ، فقد كان الجهال يطرحون عليهم : أأنتم أعلم أم الآباء السابقون والعظماء الذين جاؤوا قبلكم ؟ وكانوا يصرون على الاستمرار في ذلك الطريق ، وإذا كان مثل هذا الاقتراح يمكن أن ينزل إلى حيز التطبيق والواقع العملي ، فليس بوسع الإنسان أن يخطو خطوة في طريق التكامل . وتعتبر الآية التالية تبيانا لعلة النهي عن الاستسلام أمام مقترحات المشركين وقبول طلباتهم ، فتقول : إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا فإذا ما اتبعت دينهم
هامش
1 - التفسير الكبير للفخر الرازي ، المجلد 27 ، صفحة 265 .