تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
ومطيعة لأمركم ، ومنفذة لإرادتكم ، لتتمتعوا بنعمه ومواهبه سبحانه ، ولا تذهلوا في سكرة الغفلة عنه . ومما يستحق الانتباه أنه يقول : جميعا منه ( 1 ) فإذا كانت كل النعم منه ، وهو خالقها وربها ومدبرها جميعا ، فلماذا يعرض الإنسان عنه ويلجأ إلى غيره ، ويتسكع على أعتاب المخلوقات الضعيفة ، ويبقى في غفلة وذهول عن المنعم الحقيقي عليه ؟ ولذلك تضيف الآية في النهاية : إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون . لقد كانت الآية السابقة تلامس عاطفة الإنسان وتحاول إثارتها ، وهنا تحاول هذه الآية تحريك عقل الإنسان وفكره ، فما أعظم رحمة ربنا سبحانه ! ! إنه يتحدث مع عباده بكل لسان وأسلوب يمكن أن يطبع أثره ، فمرة بحديث القلب ، وأخرى بلسان الفكر ، والهدف واحد من كل ذلك ، ألا وهو إيقاظ الغافلين ودفعهم إلى سلوك السبيل القويم . وقد أوردنا بحثا مفصلا حول تسخير مختلف موجودات العالم في ذيل الآيات 31 - 33 من سورة إبراهيم . ثم تطرقت الآية التالية إلى ذكر قانون أخلاقي يحدد كيفية التعامل مع الكفار لتكمل أبحاثها المنطقية السابقة عن هذا الطريق ، فحولت الخطاب إلى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وقالت : قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله . فمن الممكن أن تكون معاملة هؤلاء قاسية ، وتعبيراتهم خشنة غير مؤدبة ، وألفاظهم بذيئة ، وذلك لبعدهم عن مبادئ الإيمان وأسس التربية الإلهية ، غير أن عليكم أن تقابلوهم بكل رحابة صدر لئلا يصروا على كفرهم ويزيدوا في تعصبهم ،
هامش
1 - ثمة احتمالات عديدة في إعراب ( جميعا منه ) وتركيبها ، فقد احتمل الزمخشري في الكشاف احتمالين : الأول : إن ( جميعا منه ) حال ل‍ ( ما في السماوات وما في الأرض ) أي إنها جميعا مسخرة لكم لكنها منه سبحانه . والآخر : إنه خبر لمبتدأ محذوف ، والتقدير : هي منه جميعا . واحتمل البعض أيضا أن تكون تأكيدا ل‍ ( ما في السماوات وما في الأرض ) .
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 199 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي