تعود الآيات لتؤكد عليها مرة أخرى ، إذ تقول وبنفس اللهجة السابقة : قل الله
أعبد مخلصا له ديني ( 1 ) .
أما أنتم فاعبدوا ما شئتم من دون الله : فاعبدوا ما شئتم من دونه .
ثم تضيف : قل إن الخاسرين اللذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم
القيامة . أي إنهم لم يستثمروا طاقاتهم وعمرهم ، ولا من عوائلهم وأولادهم
لإنقاذهم ، ولا لإعادة ماء الوجه المراق إليهم ، وهذا هو الخسران العظيم : ألا
ذلك هو الخسران المبين .
الآية الأخيرة في بحثنا هذا تصف إحدى صور الخسران المبين ، إذ تقول :
لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل .
وبهذا الشكل فإن أعمدة النيران تحيط بهم من كل جانب ، فهل هناك أعظم
من هذا ؟ وهل هناك عذاب أشد من هذا ؟
" ظلل " جمع ( ظلة ) على وزن " سنة " وتعني الستر الذي ينصب في الجهة
العليا . وطبقا لهذا فإن إطلاق هذه الكلمة على ما يفرش تحت أهل النار اطلاق
مجازي ومن باب التوسع في معنى الكلمة .
بعض المفسرين قالوا : بما أن أصحاب النار يتقلبون بين طبقات جهنم ، فإن
ستائر النار محيط بهم من فوق رؤوسهم ومن تحت أرجلهم . والآية ( 55 ) من
سورة العنكبوت تشبه هذه الآية : يوم يغشهم العذاب من فوقهم ومن تحت
أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون .
هذا في الحقيقة تجسيد لأحوالهم وأوضاعهم في هذه الدنيا ، إذ أن الجهل
والكفر والظلم محيط بكل وجودهم ، ومستحوذ عليهم من كل جانب ، ثم تضيف
الآية مؤكدة وواعظة إياهم : ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون .
إضافة كلمة ( العباد ) إلى لفظ الجلالة في هذه الآية ، ولعدة مرات إشارة إلى أن
هامش
1 - تقديم ( اسم الجلالة ) والذي هو مفعول ( أعبد ) يفيد الحصر هنا ، وقوله ( مخلصا له ديني ) التي هي حال يؤكد معنى الحصر .