الآية التي تليها تبدأ من توحيد الربوبية وتنتهي بتوحيد الخالقية والربوبية .
فتقول أولا : ذلكم الله ربكم ومربيكم الذي من صفاته أنه : خالق كل
شئ .
ولا معبود إلا الله : لا إله إلا هو .
في الواقع إن وجود كل هذه النعم دليل على الربوبية والتدبير ، وخالق كل
شئ عنوان لصفة التوحيد في الربوبية ، لأن الخالق هو المالك والمربي . ومن
المعلوم أن الخلق يستدعي الرعاية الدائمة لأن الخالقية لا تعني أن الله يخلق
الخلق ويتركها وشأنها ، بل لابد وأن يكون الفيض الإلهي مستمرا في كل لحظة
على جميع الموجودات . ولذلك فهذه الخالقية لا تنفصل عن الربوبية .
ومن الطبيعي أن هذا الإله هو الوحيد الذي يستحق العبادة ، وأن ترجع إليه
الأشياء .
لذا فإن جملة خالق كل شئ تعتبر الدليل ل ذلكم الله ربكم وإن لا
إله إلا هو هي النتيجة لذلك .
وتتسائل الآية في نهايتها : كيف يسوغ الإنسان لنفسه الانحراف والتنكب
عن الجادة المستقيمة ؟ فيقول تعالى : فأنى تؤفكون ( 1 ) .
ولماذا تتركون عبادة الله الواحد الأحد إلى عبادة الأصنام ؟
والملاحظ أن " تؤفكون " صيغة مجهول ، بمعنى أنها تحرفكم عن طريق الحق ،
وكأن المراد هو أن المشركين فاقدون للإرادة إلى درجة أنهم يساقون في هذا
المسير دون اختيار أي نسبة من الحرية والإرادة والاختيار في هذا المجال !
الآية الأخيرة - من مجموعة الآيات التي نبحثها - تأتي وكأنها تأكيد
لمواضيع الآيات السابقة ، فيقول تعالى : كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله
هامش
1 - " تؤفكون " من " إفك " وتعني الانحراف والرجوع عن طريق الحق وجادة الصواب . ولهذا السبب يقال للرياح
المضادة " المؤتفكات " . ويعبر عن " الكذب " ب " الإفك " بسبب ما فيه من انحراف عن بيان الحق .