واستعراضهم لقوتهم : فلا يغررك تقلبهم في البلاد .
إنها أيام تنقضي بين الكر والفر ، ثم تنتهي هذه الضجة لتزول معها هذه
المجموعة وتمحى تماما ، كما تزول الفقاعات من على سطح الماء ، أو كما يتلاشى
الرماد عند هبوب العواصف !
" يجادل " مشتقة من " جدل " وهي في الأصل تعني لف الحبل وإحكامه ، ثم
عم استخدامها في الأبنية والحديد وما شابه ، ولهذا فإن كلمة ( مجادلة ) تطلق على
عمل الاشخاص المتقابلين ويريد كل شخص أن يلقي حجته ويثبت كلامه ويغلب
خصمه .
ولكن ينبغي الانتباه إلى أن كلمة ( المجادلة ) لا تعتبر مذمومة دائما في اللغة
العربية ، بل تعتبر إيجابية ومطلوبة إذا كانت المجادلة في طريق الحق وتستند على
المنطق ، وتهدف إلى تبيين الحقائق وإرشاد الأشخاص الجهلة . . . أما إذا كانت على
أسس واهية من التعصب والجهل والغرور ، وتستهدف خداع هذا وذاك ، فتكون
عند ذلك مذمومة .
القرآن الكريم استخدم كلمة ( المجادلة ) في كلا مورديها ، إذ نقرأ في الآية
( 125 ) من سورة النحل قوله تعالى : وجادلهم بالتي هي أحسن .
إلا أنه في موارد أخرى - كما في الآية أعلاه وفيما بعدها - وردت ( المجادلة )
لغرض الذم ، وهناك بحث حول الجدال والمجادلة سنتعرض له فيما بعد إن شاء
الله .
" تقلب " مشتقة من " قلب " وتعني التغيير ، و " تقلب " هنا بمعنى التصرف في
المناطق والبلاد المختلفة للسيطرة والتسلط عليها ، وتعني الذهاب والإياب فيها
أيضا .
إن هدف الآية تحذير للرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والمؤمنين به - في بداية البعثة - من
الذين كانوا من الطبقة المستضعفة المحرومة ، بأن لا يركنوا إلى الإمكانات المالية
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 185
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٨٥