الله سبحانه ، لكي تعرفوا أوّلًا أنّ لها ربّاً صانعاً ، ثمّ اطلبوا حينئذٍ معرفته بآثاره فيها من حيث تدبيره لها وقيّوميّته إيّاها وتسخيره لها وإحاطته بها وقهره عليها ، حتّى تعرفوا الله بهذه الصّفات القائمة به ، ثمّ تعرفوا الأشياء بقيامها به ، ولا تنظروا إلى وجوه الأشياء الّتي إلى أنفسها ، أعني من حيث أنّها أشياء لها ماهيّات لا يمكن أن توجد بذاتها بل مفتقرة إلى موجد يوجدها ؛ فإنّكم إذا نظرتم إليها من هذه الجهة تكونوا قد عرفتم الله بالأشياء ، يعني أثبتتموه بها وأقررتم بوجوده فحسب ؛ فلن تعرفوه إذن حقّ المعرفة ، فإنّ معرفة مجرّد كون الشّيء مفتقراً إليه في وجود الأشياء ليست بمعرفة له في الحقيقة على أنّ ذلك غير « 1 » محتاج إليه لأنّها فطريّة ؛ بخلاف النّظر الأوّل فإنّكم تنظرون في الأشياء أوّلًا إلى الله ( عز وجل ) وآثاره من حيث آثاره ثمّ إلى الأشياء وافتقارها في أنفسها ، فإنّا إذا عزمنا على أمر مثلًا وسعينا في إمضائه غاية السّعي فلم يكن علمنا أنّ في الوجود شيئاً غير مرئيّ الذّات « 2 » يمنعنا عن ذلك ويحول بيننا وبين ذلك ، وعلمنا أنّه غالب على أمره وأنّه مسخّر للأشياء على حسب مشيئته ومدبّر لها بحسب إرادته وأنّه منزّه عن صفات أمثالنا وهذه صفات بها يعرف صاحبها بعض المعرفة .
وفي دعاء الحسين بن عليّ - عليهما السلام - : « منك أطلب الوصول إليك وبك أستدلّ عليك » . « 3 »
وإلى طريق تحصيل مثل هذه المعرفةأُشير في عدّة « 4 » مواضع من القرآن المجيد بالآيات ، حيث قيل : «
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي
هامش
( 1 ) - في د ، : الغير .
( 2 ) - في : بالذات .
( 3 ) - إقبال الأعمال : 339 ؛ بحار الأنوار : 95 / 226 ، أبواب ما يتعلّق بشهر ذي الحجّة ، باب 2 ، ح 3 .
( 4 ) - في أ ، و ، ز : في غير .