[ 2 ] كلمة : فيها إشارة إلى صحائف الأعمال والميزان
كلّ ما يدركه الإنسان بحواسّه يرتفع منه أثر إلى روحه ويجتمع في صحيفة ذاته وخزانة مدركاته ، وكذلك كلّ مثقال ذرّة من خير أو شرّ يعمله يرى أثره مكتوباً ثمةً ، سيّما ما رسخت بسبب الهيئات وتأكّدت به الصّفات وصار خلقاً وملكةً ، فإنّ ذلك يوجب خلود الثّواب والعقاب ، فكلّ إنسان نفسه صحيفة أعماله ، وهو كتاب منطوٍ اليوم عن مشاهدة الأبصار ، وإنّما ينكشف بالموت ورفع ما تورده الشواغل الحسّيّة المعبّر عنه بقوله تعالى : «
وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ
» ، فإذا حان حين ذلك وهو «
يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ
» « 1 » صار الغيب شهادةً والسّر علانيةً والخبر عياناً ، فيقال : «
لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
» ، «
هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
» ؛ « 2 » فمن كان في غفلة من حساب سرّه فإذا وقع بصره على ذلك والتفت إلى صَفحَة باطنه وصحيفة قلبه يقول : «
ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها
» « 3 » .
ثمّ من كان من أهل السّعادة وأصحاب اليمين وكانت معلوماته أُموراً قدسيّةً وأعماله صالحةً وأخلاقه حسنةً فقد أوتي كتابه بيمينه من جهة علّيّين ، «
إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ
» ، « 4 » وذلك لأنّ كتابه من جنس الألواح العالية « والصّحف المكرّمة المرفوعة المطهّرة بأيدي سفرة كرام بررة » ، « 5 » فليس له سوى
هامش
( 1 ) - التّكوير : 10 ؛ الطارق : 9 .
( 2 ) - ق : 22 ؛ الجاثية : 29 .
( 3 ) - الكهف : 49 .
( 4 ) - المطفّفين : 18 - 21 .
( 5 ) - أشار إلى آيات « فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ » عبس : 13 - 16 .