فقال : إنّ يقيني يا رسول الله هو الذي أحزَنَني ، وأَسهَرَ ليلي ، وأَظْمَأَ هواجري « 1 » ، فَعَزَفْتُ « 2 » نفسي عن الدّنيا وما فيها حتّى كأنّي أنظر إلى عرش ربّي وقد نُصب للحساب وحُشر الخلائق لذلك وأنا فيهم ، وكأنّي أنظر إلى أهل الجنّة يتنعّمون في الجنّة ويتعارفون على الأرائك متّكئون ، وكأنّي أنظر إلى أهل النّار وهم معذّبون مصطرخون ، وكأنّ الآن أسمع زفير النّار يدور في مَسامِعي ؛ فقال رسول الله ( ص ) لأصحابه : هذا عبد نوّر الله قلبه بالإيمان ، ثمّ قال له : ألزم ما أنت عليه ، فقال الشابّ : ادع الله لي يا رسول الله أن أُرزَقَ الشّهادة معك ، فدعا له رسول الله ( ص ) ، فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النّبيّ ( ص ) فاستشهد بعد تسعة نفر وكان هو العاشر » . « 3 »
وفي رواية أنّه كان حارثة بن مالك النّعمان الأنصاري . « 4 »
وقد تبيّن من هذه الكلمة أنّ لبدن الإنسان وروحه حركة طبيعيّة ذاتيّة من لدن نشوئه ووجوده ومبدئه إلى آخر بعثه ولقاء بارئه ومعاده .
وإليها الإشارة بقوله تعالى : «
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ
» ، « 5 » وبقوله ( عز وجل ) : «
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ
» إلى قوله : «
وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ
» ، « 6 » إلى غير ذلك من نظائره من الآيات .
هامش
( 1 ) - الهاجرة : نصف النهار عند اشتداد الحرّ .
( 2 ) - عزف نفسَه عنه : منعها عنه .
( 3 ) - الكافي : 2 / 53 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب حقيقة الإيمان واليقين ، ح 2 .
( 4 ) - الكافي : 2 / 54 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب حقيقة الإيمان واليقين ، ح 3 .
( 5 ) - الانشقاق : 6 .
( 6 ) - الحجّ : 5 - 7 .