غفّاراً أوجد مجالي العفو والغفران كالجنّة وأهليها والتسنيم وشاربيها ، ومنها يظهر السّعادة والشّقاوة ، «
فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ
» . « 1 » فظهر أن لا وجه لإسناد الظّلم والقبائح إلى الله سبحانه ، لأنّ هذا التّرتيب والتّمييز من وقوع فريق في طريق اللطف وآخر في طريق القهر من ضروريّات الوجود والإيجاد ومن مقتضيات الحكمة والعدالة .
ومن هنا قال بعض العلماء : ليت شعري لِمَ لا ينسب الظّلم إلى الملك المجازي حيث يجعل بعض من تحت تصرّفه وزيراً قريباً وبعضهم كنّاساً بعيداً ، لأنّ كلّاً منهما من ضروريّات مملكته ، وينسب الظّلم إلى الله تعالى في تخصيص كلّ من عبيده بما خصّص مع أنّ كلّاً منهما ضروريّ في مقامه .
وكما أنّ لكلّ من المخلوقات استعداداً كلّيّاً لقبول الوجود ، كذلك لكلّ منها استعداداً جزئيّاً لظهور اسم خاصّ فيه أو أسماء خاصّة واحداً بعد واحد حتّى يصل إلى كماله اللائق به ، والحقّ سبحانه منزّه من التّقيّد « 2 » بالأسماء والحصر بالأسماء والحصر فيها ، وهذا هو السّبب في اختلاف والإضافات المتكرّرة من طرفي الحقّ والخلق .
كما أشار إليه الحسين بن عليّ في دعاء عرفة بقوله : « إلهي ما أقربك منّي وأبعدني عنك إلهي ماأرئفك بي فما الّذي يحجبني عنك » . « 3 »
فإنّ طريقه وقربه سبحانه بالنّسبة إلى الخلق خلاف طريقهم وقربهم بالنّسبة إليه ؛ لأنّ طريقه وقربه من حيث الوجود والإحاطة والمعيّة الّتي لا تفاوت فيها بالنّسبة إلى الجميع أصلًا كقرب المداد مثلًا بالنّسبة إلى حروف الكتاب ، وطريقهم وقربهم من حيث الظّهورات الأسمائيّة والاستعدادات الذّاتيّة الّتي هم فيها مختلفون ، وإن كان مصير الكلّ إليه سبحانه
هامش
( 1 ) - هود : 105
( 2 ) - في بعض النسخ : التقييد .
( 3 ) - إقبال الأعمال : 348 ؛ بحار الأنوار : 95 / 225 ، أبواب ذي الحجّة ، باب 2 .