الاختيار مجبورون ، فنحن إذن مجبورون على الاختيار .
هذا طريقة أهل العقل والنّظر القريبة من الأفهام .
ونرتقي إلى طريقة أُخرى أعلى وأتمّ هي طريقة أهل المعرفة والشّهود ، وهي أقرب إلى التّحقيق وإن كانت أبعد من الأفهام ، فنقول :
إنّ المخلوقات مع تباينها في الذّوات والصّفات والأفعال وترتّبها في القرب والبعد من الحقّ الأوّل والذّات الأحديّة تجمعها حقيقة واحدة إلهيّة جامعة لجميع حقائقها وطبقاتها ، لا بمعنى أنّ المركّب من المجموع شيء واحد هو الحقّ سبحانه ، حاشا الجناب الإلهي عن وَصْمَة « 1 » الكثرة والتركيب « 2 » ، بل هو هو والأشياء أشياء ، بل بمعنى أنّ تلك الحقيقة الإلهيّة مع أنّها في غاية البساطة والأحديّة ينفذ نورها في أقطار السّماوات والأرضين ، فما من ذرّة إلّا وهو محيط بها قاهر عليها ظاهر فيها .
كما قال إمام الموحّدين أمير المؤمنين ( ع ) : « مع كلّ شيء لا بمقارنة وغير كلّ شيء لا بمزايلة » . « 3 »
وكذلك لصفات المخلوقات جهة وحدة إلهيّة جامعة للجميع ، فإنّ السّمع والبصر وغيرهما من الصّفات في أيّ موصوف كان هو لله سبحانه حقيقةً ، ولذلك قال : «
وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
» ، « 4 » أي لا غيره ، يعني هو السّميع بعين سمع كلّ سميع ، والبصير بعين بصر كلّ بصير ، وقال : «
هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
» ، « 5 » أي بعين كلّ حياة ؛ وفي الحديث القدسي : « فبي يسمع
هامش
( 1 ) - الوَصْمَة : الفترة في الجسم ، العيب والعار .
( 2 ) - في ج : التركّب .
( 3 ) - نهج البلاغة : 40 ، الخطبة الأولى ، بحار الأنوار : 4 / 247 ، أبواب أسمائه تعالى ، باب 4 ، ح 5 .
( 4 ) - الشورى : 11 .
( 5 ) - غافر : 65 .