وقد سعى المستعمرون في الغرب والشرق إلى تلقين مثل هذا الرأي عن طريق
علماء الاجتماع وعلماء النفس ، وذلك لتضليل الجماهير وإبعادها عن فطرتها ،
والذي دفعهم إلى هذا هو خوفهم وحذرهم من نهضة الشعوب المؤمنة المسلحة
بالأفكار الدينية السماوية ، ومن استقبالها الشهادة في سبيل الله بصدور رحبة ! . .
والأنكى من ذلك أنهم أوعزوا منشأ الدين لجهل البشر بالعوامل الطبيعية .
والجواب على مثل الكلام مر في محله ، ولسنا هنا في معرض سرد الردود
جميعا ، ولكن الآيات التي نحن بصددها تدعو الإنسان إلى التفكر والتدبر ،
واعتبرت طريق التفكر هو الأساس لتطور وتكامل البشرية .
كيف يمكن أن يكون الإسلام داعية لتخدير أفكار الناس ، أو أنه نشأ بفعل جهل
البشر بالعوامل الطبيعية ، ويدعو الناس إلى النهضة والتفكر والعيش بصفاء في
محيط بعيد عن الضوضاء والضجيج الإعلامي المسموم ، بعيدا عن التعصب
والعناد ؟ ! هل يمكن اتهام الدين الذي يدعو الناس لمثل هذه الأفكار بكونه أفيون
الشعب ، أو عامل تخدير لها ؟ !
ويمكن هنا القول : إن على الإنسان أن لا يفكر لوحده وبشكل انفرادي ، بل
عليه مشاورة الآخرين وأن تتعاضد آراؤه معهم ، لسماع دعوة الأنبياء الصادقة ،
ومطالعة الدلائل والآيات التي جاؤوا بها . . عند ذلك يمكن للإنسان الإذعان
للحق .
إن الأحداث التي مرت في عصرنا الحالي سيما نهضة المسلمين الثوريين في
مختلف البلدان الإسلامية بوجه القوى الكبرى وعملائها في الشرق والغرب ،
والتي جعلت الدنيا ظلاما دامسا في وجوههم ، وهزت كياناتهم ، تشير جميعا إلى
أن الخطر الكبير الذي يتهدد هذه القوى هو العقائد الدينية الأصيلة ، ومن هنا يفهم
هدف الاتهامات الموجهة ضد العقائد الدينية .
ومما يثير العجب والغرابة أن علماء الاجتماع في الغرب قالوا بعدم وجود عالم
ما وراء الطبيعة ، واعتبروا الدين ظاهرة من صنع البشر ، كما قالوا بوجود عوامل
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 52
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٥٢