3 - واحتملوا أيضا أن هذا التسبيح هو التسبيح التكويني الذي ينطق به لسان
حال كل مخلوق ، ونظام خلقهم يقول : إن الله خال من العيوب والنقص ، وإنه
مقدس ومنزه وعالم وقادر ، ويمتلك كافة صفات الكمال .
ولكن هذا المعنى لا يختص بداود حتى يعد من مناقبه ، ولهذا فإن التفسير
الثاني يعد أنسب ، وما ذكر فيه غير مستبعد قياسا بقدرة الله .
فالمناجاة موجودة داخل جميع مخلوقات الكون ، وترانيمها تتردد على الدوام
في بواطنها ، وقد أظهرها الله سبحانه وتعالى لداود ( عليه السلام ) ، كما في الحصاة التي كانت
تسبح الله وهي في يد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .
وتواصل الآية التالية استعراض نعم الله على داود ( عليه السلام ) ، قال تعالى : وشددنا
ملكه أي ثبتنا وأحكمنا مملكته ، بحيث كان العصاة والطغاة من أعدائه
يحسبون لمملكته ألف حساب لقوتها .
وإضافة إلى هذا فقد آتيناه الحكمة والعلم والمعرفة وآتيناه الحكمة
الحكمة التي يقول بشأنها القرآن المجيد ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا
كثيرا .
( الحكمة ) هنا تعني العلم والمعرفة وحسن تدبير أمور البلاد ، أو مقام النبوة ، أو
جميعها .
وقد تكون " الحكمة " أحيانا ذات جانب علمي ويعبر عنها ب " المعارف
العالية " ، وأخرى لها جانب عملي ويعبر عنها ( بالأخلاق والعمل الصالح ) وقد كان
لداود في جميعها باع طويل .
وآخر نعمة إلهية أنعمت على داود هي تمكنه من القضاء والحكم بصورة
صحيحة وعادلة وفصل الخطاب .
وقد استخدمت عبارة ( فصل الخطاب ) لأن كلمة " الخطاب " تعني أقوال طرفي
النزاع ، أما ( فصل ) فإنها تعني القطع والفصل .
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 475
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٤٧٥