المشورة بالخلط بين الأفكار الفردية والجماعية ، فالإنسان يجب أن يتفكر منفردا
وكذلك يستفيد من أفكار الآخرين ، لأن الاستبداد بالرأي والفكر سبب للعجب ،
والتشاور والتعاون لأجل حل المشكلات العلمية - والذي لا يؤدي إلى الغوغاء -
سيعطي حتما - أثرا أفضل ، ويمكن أن يكون تقديم " مثنى " على " فرادى " في
الآية لهذا السبب .
6 - الملفت للنظر أن القرآن الكريم يقول هنا " تتفكروا " دون أن يذكر بماذا ؟
فحذف المتعلق دليل على العموم ، أي في كل شئ ، في الحياة المعنوية والمادية ،
في الأمور الكبيرة والصغيرة . وبكلمة : في كل أمر يجب التفكر أولا ، وأهم من ذلك
كله هو التفكر للعثور على الإجابة للأسئلة الأربعة التالية : من أين جئت ؟ لأي
شئ أتيت ؟ إلى أين أذهب ؟ وأين أنا الآن ؟
ولكن بعض المفسرين ذهبوا إلى أن " تتفكروا " تتعلق بالجملة التي تليها وهي
" ما بصاحبكم من جنة " بمعنى أنكم لو تفكرتم قليلا لوجدتم أن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) منزه
عن اتهامكم الواهي له بالجنون . والظاهر أن المعنى الأول أوضح .
ومن البديهي أن من الأمور التي يجب التفكر بها هي مسألة النبوة والصفات
العالية التي كان يتمتع بها شخص النبي ( صلى الله عليه وآله ) دون أن تكون منحصرة بذلك .
7 - تعبير " صاحبكم " إشارة إلى الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) وإنه ليس نكرة بالنسبة
لكم ، فقد كان بينكم لسنوات طويلة . لقد عرفتموه بالأمانة والصدق والاستقامة ،
ولم تجدوا حتى الآن نقطة ضعف واحدة في مسيرة حياته ، لذا فعليكم بالإنصاف
قليلا ، فالتهم التي تلصقونها به لا أساس لها جميعا .
8 - " جنة " بمعنى " جنون " وفي الأصل من مادة " جن " بمعنى ستر الشئ عن
الحاسة ، ومن كون أن ( المجنون ) ستر عقله ، فقد اطلق عليه هذا التعبير ، والجدير
بالملاحظة هنا هو أن العبارة تريد الكشف عن هذه الحقيقة ، وهي أن من يدعو إلى
التفكر والانتباه كيف يكون هو مجنونا ، والحال أن مناداته بالتفكر إنما هي دليل
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 482
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٤٨٢