تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
يدعو الداعي الإلهي جميع البشر إلى الحياة والاجتماع في المحشر للحساب فيلبي الجميع دعوته ويتبعونه يوم يتبعون الداعي لا عوج له . هل إن هذا الداعي ( إسرافيل ) أم ملك آخر من ملائكة الله المقربين ؟ القرآن لم يشخص ويحدد ذلك بدقة ، وكائنا من كان فإن أمره نافذ لا يقدر أي أحد على التخلف عنه . وجملة " لا عوج " أيمكن أن تكون وصفا لدعوة هذا الداعي ، أو وصفا لاتباع المدعوين ، أو لكليهما . ومما يلفت النظر أنه كما أن سطح الأرض يصبح صافيا ومستويا بحيث لا يبقى فيه أي إعوجاج ، فإن أمر الله والداعي أيضا كل منهما صاف ومستقيم جلي ، واتباعه واضح لا سبيل لأي انحراف واعوجاج إليه . عند ذلك : وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا ( 1 ) . إن هدوء الأصوات أو خشوعها هذا إما هو لهيمنة العظمة الإلهية على عرصة المحشر حيث يخضع لها الجميع ، أو خوفا من الحساب ونتيجة الأعمال ، أو لكليهما . وبما أن بعض الغارقين في الذنوب والمعاصي قد يحتمل أن تنالهم شفاعة الشافعين وتنجيهم ، فإنه يضيف مباشرة : يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا وهذا إشارة إلى أن الشفاعة هناك ليست اعتباطية وعشوائية ، بل إن هناك تخطيطا دقيقا لها ، سواء ما يتعلق بالشافعين أو المشفوع لهم ، وما دام الأفراد لا يملكون الأهلية والاستحقاق للشفاعة ، فلا معنى حينئذ لها . والحقيقة هي أن جماعة ينظرون إلى الشفاعة بمنظار خاطئ ، فهم يتصورون أنها لا تختلف عن أساليب الدنيا ومراوغاتها ، في حين أن الشفاعة في منطق الإسلام مرحلة تربوية متقدمة ، وعامل مساعد لهؤلاء الذين يطوون طريق الحق
هامش
1 - " الهمس " - كما يقول الراغب في مفرداته - يعني الصوت الخفي والمنخفض . وفسره بعضهم بأنه الصوت الخفي للقدم الحافية ، والبعض بحركة الشفاه من دون أن يسمع معها صوت ، ولا يوجد تفاوت كبير بين هذه المعاني .