تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 518

مساهمون:

ص٥١٨
عن السبيل السوي فاقتيدوا إلى النار . كما جاء نظير هذا المعنى في الآية ( 25 ) من سورة الطور ، فكيف تنسجم هذه الآيات مع الآية موضع البحث ، وهي تنص على عدم تساؤل الناس يوم القيامة ؟ . لو دققنا مليا في مضمون الآيات محل البحث لاتضح لنا جواب هذا السؤال ، فالآيات الخاصة بإثبات سؤال بعضهم للآخر إنما تتحدث في حالة استقرارهم في الجنة ، أو في النار . في وقت تنفي الآيات محل البحث تساؤل الناس حين البعث ، حيث يسيطر الرعب على الجميع . حتى أن الناس ينسون جميع من حولهم ويذهلون عنهم من هول الحشر . وبتعبير آخر : للقيامة مواقف ولكل موقف شأن معين ، والإشكال المذكور نجم عن عدم تشخيص هذه المواقف . وبعد وقوع القيامة تبدأ مرحلة الحساب وقياس الأعمال بميزان خاص بيوم القيامة : فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون . " الموازين " جمع " ميزان " وهو وسيلة للقياس . وكما قلنا سابقا : إن الميزان لا يعني ما نعرفه في هذه الدنيا لوزن المواد ، إن الميزان في هذه الآية يعني وسيلة ملائمة لقياس قيمة أعمال الإنسان ، أي : للميزان مفهوم واسع يشمل جميع وسائل القياس . وكما ورد في الأحاديث المختلفة أنه ميزان تقاس به الأعمال والناس ، وهم قادة الإسلام الكبار ، في الحديث : " إن أمير المؤمنين والأئمة من ذريته هم الموازين " ( 1 ) . وعلى هذا فإن الرسل وأوصياءهم هم الذين يقاس الناس وأعمالهم بهم ، ليتبين إلى أي درجة يشبهونهم . وبهذا يتميز الناس ثقيلهم من خفيفهم ، وثمينهم من تافههم ، وعالمهم من جاهلهم . كما يتضح لنا سر ذكر الموازين بصيغة الجمع ، لأن قادة الناس الكبار في السابق - وهم موازين القياس - قد تعددوا في التاريخ .
هامش
1 - بحار الأنوار ، المجلد السابع ، صفحة 251 ( الطبعة الجديدة ) .
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 518 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي