مثال ذلك انّ الفيلسوف قد يبحث من أمر العناصر عن أشياء لا يطوّر بها الطبّ ، و لا يضطرّ إليها الطّبيب . مثل أن يبحث هل تركيب العناصر الأربعة من الهيولى و الصّورة ، أم من أجزاء لا تتجزّأ ، و هل العناصر كائنة بعد ان لم تكن ، أم هى قديمة لم تزل ، و هل الحرارة صورة النّار ، أم هى شىء تابع لصورتها .
و مثل أن يبحث عن السّبب فى ان صارت العناصر أربعة ، و عن السّبب كيف صار سببا و مكان كلّ واحد منها .
فأمّا الطّبيب ، فيكفيه أن يعلّم انّها موجودة ، و انّها بالعدد أربعة ، و انّ بدن الإنسان مركّب منها و قائم باعتدالها . فأمّا سائر الأمور الطّبيعية من مبادى الطّبيعيات ، و طبيعة الأفلاك و أحوال الكائنات من العناصر ؛ فلا اشتغال للطّبيب بها ، و لا حاجة بصناعته إلى البحث عنها . كالهيولى و الصّورة و العدم و الزّمان و المكان ، و حال العالم فى القدم أو الحدوث و جوهر النّفس و حالها بعد الفراق .
و أمّا العلم الرّياضى فيحتاج الطّبيب منه إلى ما اقول : يحتاج إلى طرف صالح من علم التّنجيم . فقد حكى جالينوس عن بقراط انّه قال : « إنّ منفعة علم النّجوم فى صناعة الطبّ ليست بيسيرة » .
و حقّا قال ذلك . فإنّ أمر البحران و أيام البحران لا يتحقّق إلّا من صناعة التّنجيم .
لأنّ بحارين الأمراض الحادّة متعلّقة بالقمر ، و باشكاله من الشّمس ، و من باقى الكواكب السيارة . و بحارين الأمراض المزمنة متعلّقة بالشّمس ، و باقى الكواكب السّيارة الّتى هى غير القمر .
و كذلك علم الأزمنة فى تبدّلها و اختلافها ، و الأهوية فى أمزجتها ، و البلدان فى وضعها من الفلك ، لا يحصل للطّبيب ، إلّا بعد وفور الحظّ من صناعة التّنجيم .
و لا بدّ له فى تعلّم التّنجيم من الهندسة ، إلّا انّه يكفيه منها القدر الّذى يقف على حاجته ، و يتوصّل من علم النّجوم إلى غرضه ، دون سائر العلوم الهندسية الّتى لا يكاد ينحصر كثرة و انبساطا و تنوّعا و اتّساعا .
فأمّا العدد فلا حاجة بالطّبيب إليه ، اللّهم إلّا أن يقول قائل إنّ البحارين الكائنة فى الأفراد ، أقوى من الكائنه فى الأزواج . فواجب على الطّبيب ان يعرف حال الفرد
طب و فلسفه ، علوم طبيعى ( فارسى ) — صفحة 7
مساهمون: اسماعيل ناظم
ص٧