تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
وهو على ما قيل إضراب لا عن صريح كلامهم فإنهم صادقون فيه بل عما يتضمنه من ادعاء البراءة عن التسبب فيما نزل به وأنه لم يصدر عنهم ما أدى إلى ذلك من قول أو فعل كأنه لم يكن الأمر كذلك بل زينت وسهلت لكم أنفسكم أمراً من الأمور فأتيتموه يريد بذلك فتياهم بأخذ السارق بسرقته وليس ذلك من دين الملك . وقال أبو حيان إن هنا كلاماً محذوفاً وقع الإضراب عنه والتقدير ليس حقيقة كما أخبرتم بل سولت الخ وهو عند ابن عطية وادعى أنه الظاهر على حد ما قال في قصة يوسف عليه السلام ظن سوء بهم خلا أنه عليه السلام صدق ظنه هناك ولم يتحقق هنا . وذكر ابن المنير في توجيه هذا القول ههنا مع أنهم لم يتعمدوا في حق بنيامين سوءا ولا أخبروا أباهم إلا بالواقع على جليته وما تركوه بمصر إلا مغلوبين عن استصحابه أنهم كانوا عند أبيهم عليه السلام حينئذ متهمين وهم قمن باتهامه لما أسلفوه في حق يوسف عليه السلام وقامت عنده قرينة تؤكد التهمة وتقويها وهو أخذ الملك له في السرقة ولم يكن ذلك إلا من دينه لا من دينه ولا من دين غيره من الناس فظن أنهم الذين أفتوه بذلك بعد ظهور السرقة التي ذكروها تعمداً ليتخلف دونهم ، واتهمام من هو بحيث يتطرق إليه التهمة لا جرح فيه لا سيما فيما يرجع إلى الوالد مع الولد ، ثم قال : ويحتمل أن يكون الوجه الذي سوغ له هذا القول في حقهم أنهم جعلوا مجرد وجود الصواع في رحل من يوجد في رحله سرقة من غير أن يحيلوا الحكم على ثبوت كونه سارقاً بوجه معلوم ، وهذا في شرعنا لا يثبت السرقة على من ادعيت عليه فإن كان في شرعهم أيضاً كذلك ففي عدم تحرير الفتوى إشعار بأنهم كانوا حراصاً على أخذه وهو من التسويل وإن اقتضى ذلك في شرعهم فالعمدة على الجواب الأول هذا ، والتنوين في * ( أمراً ) * للتعظيم أي أمراً عظيماً * ( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ) * أي فأمري ذلك أو فصبر جميل أجمل وقد تقدم تمام الكلام فيه فتذكر . * ( عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتيني بهمْ جَميعاً ) * بيوسف وأخيه بنيامين والمتوقف بمصر * ( إنَّهُ هُوَ العَليمُ ) * بحالي وحالهم * ( الْحَكيمُ ) * الذي يبتلى ويرفع البلاء حسب الحكمة البالغة ، قيل : إنما ترجى عليه السلام للرؤية التي رآها يوسف عليه السلام فكان ينتظرها ويحسن ظنه بالله تعالى لا سيما بعد أن بلغ الشظاظ الوركين وجاوز الحزام الطبيين فإنه قد جرت سنته تعالى أن الشدة إذا تناهت يجعل وراءها فرجاً عظيماً ، وانضم إلى ذلك ما أخبر به عن ملك مصر أنه يدعو له أن لا يموت حتى يرى ولده . * ( وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يا أَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ) * . * ( وَتَوَلَّى ) * أي أعرض * ( عَنْهُمْ ) * كراهة لما جاؤوا به * ( وَقَالَ يَا أسَفي عَلَى يُوسُفَ ) * الأسف أشد الحزن على ما فات ، والظاهر أنه عليه السلام أضافه إلى نفسه ، والألف بدل من ياء المتكلم للتخفيف ، والمعنى يا أسفي تعالى فهذا أوانك ، وقيل : الألف ألف الندبة والهاء محذوفة والمعول عليه الأول ، وإنما تأسف على يوسف مع أن الحادث مصيبة أخوية لأن رزأه كان قاعدة الإرزاء عنده وإن تقادم عهده أخذاً بمجامع قلبه لا ينساه ولا يزول عن فكره أبداً . * * شع ولم تنسني أو في المصيبات بعده ولكن نكاء القرح بالقرح أوجع ولا يرد أن هذا مناف لمنصب النبوة إذ يقتضي ذلك معرفة الله تعالى ومن عرفه سبحانه أحبه ومن أحبه ولم يتفرغ قلبه لحب ما سواه لما قيل : إن هذه محبة طبيعية ولا تأبى الاجتماع مع حبه تعالى ، وقال الإمام : إن مثل هذه المحبة الشديدة تزيل عن القلب الخواطر ويكون صاحبها كثير إليه تعالى كثير الرجوع إليه تعالى كثير الدعاء والتضرع
تفسير الآلوسي — صفحة 39 | الآلوسي