تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
في البراح بالانصراف إليه * ( أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لي ) * بالخروج منها على وجه لا يؤدي إلى نقض الميثاق أو بخلاص أخي بسبب من الأسباب ، قال في " البحر " إنه غيا ذلك بغايتين خاصة وهي إذن أبيه وعامة وهي حكم الله تعالى له وكأنه بعد أن غيا بالأولى رجع وفوض الأمر إلى من له الحكم حقيقة جل شأنه ، وأراد حكمه سبحانه بما يكون عذراً له ولو الموت ، والظاهر أن أحب الغايتين إليه الأولى فلذا قدم * ( لي ) * فيها وأخره في الثانية فليفهم * ( وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكمينَ ) * إذ لا يحكم سبحانه إلا بالحق والعدل . * ( ارْجِعُواْ إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ ) * . * ( ارْجعُوا إلَى أَبيكُمْ فَقُولُوا ) * له * ( يَا أَبَانَا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ ) * الظاهر أن هذا القول من تتمة كلام كبيرهم وقيل : هو من كلام يوسف عليه السلام وفيه بعد كما أن الظاهر أنهم أرادوا أنه سرق في نفس الأمر . * ( وَمَا شَهدْنَا ) * عليه * ( إلاَّ بمَا عَلمْنَا ) * من سرقته وتبقيناه حيث استخرج صواع الملك من رحله . * ( وَمَا كُنَّا للْغَيْب حَافظينَ ) * وما علمنا أنه سيسرق حين أعطيناك الميثاق أو ما علمنا أنك ستصاب به كما أصبت بيوسف . وقرأ الضحاك * ( سارق ) * باسم الفاعل . وقرأ ابن عباس . وأبو رزين . والكسائي في رواية * ( سرق ) * بتشديد الراء مبنياً للمفعول أي نسب إلى السرقة فمعنى * ( وما شهدنا ) * الخ وما شهدنا إلا بقدر ما علمنا من التسريق وما كنا للأمر الخفي بحافظين أسرق بالصحة أم دس الصواع في رحله ولم يشعر . واستحسنت هذه القراءة لما فيها من التنزيه كذا قالوا ، والظاهر أن القول باستفادة اليقين من استخراج الصواع من رحله مما لا يصح فكيف يوجب اليقين ، واحتمال أنه دس فيه من غير شعور قائم جعل مجرد وجود الشئ في يد المدعى عليه بعد إنكاره موجباً للسرق في شرعهم أولاً ، قيل : فالوجه أن الظن البين قائم مقام العلم ، ألا ترى أن الشهادة تجوز بناء على الاستصحاب ويسمى علماً كقوله تعالى : * ( فإن علمتموهن مؤمنات ) * ( الممتحنة : 10 ) وإنما جزموا بذلك لبعد الاحتمالات المعارضة عندهم ، وإذا جعل الحكم بالسرقة وكذا علمهم أيضاً مبنياً على ما شاهدوا من ظاهر الأمر اتحدت القراءتان ويفسر * ( وما كنا ) * الخ بما فسر به على القراءة الأخيرة ، وقيل : معنى * ( ما شهدنا ) * الخ ما كانت شهادتنا في عمرنا على شئ إلا بما علمنا وليست هذه شهادة منا إنما هي خبر عن صنيع ابنك بزعمهم * ( وما كنا ) * الخ كما هو وهو ذهاب أيضاً إلى أنهم غير جازمين . وفي " الكشف " الذي يشهد له الذوق أنهم كانوا جازمين وقولهم : إن يسرق فقد سرق تمهيد بين ، وادعاء العلم لا يلزم العلم فإن كان لبعد الاحتمالات المعارضة فلا يكون كذباً محرماً وإلا فغايته الكذب في دعوى العلم وليس بأول كذباتهم ، وكان قبل أن تنبؤا ولهذا خونهم الأب في هذه أيضاً ، على أن قولهم : * ( جزاؤه من وجد في رحله ) * ( يوسف : 75 ) مؤكداً ذلك التأكيد يدل على أنهم جعلوا الوجدان في الرحل قاطعاً وإلا كان عليهم أن يقولوا : جزاؤه من وجد في رحله متعدياً أو سارقاً ونحوه ، فإن يحتمل عنهم الحزم هنالك فلم لا يحتمل ههنا اه‍ وفيه مخالفة لبعض ما نحن عليه ، وكذا لما ذكرناه في تفسير * ( جزاؤه ) * الخ ، ولعل الأمر في هذا هين . ومن غريب التفسير أن معنى قولهم : * ( للغيب ) * لليل وهو بهذا المعنى في لغة حمير وكأنهم قالوا : ( وما شهدنا إلا بما علمنا - من ظاهر حاله - وما كنا لليل حافظين ) أي لا ندري ما يقع فيه فلعله سرق فيه أو دلس عليه ، وأنا لا أدري ما الداعي إلى هذا التفسير مع تبلج صبح المعنى المشهور ؛ وأياً ما كان