تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
الفرج المقتضى للشكر ، وقيل : لأنه من قبيل التروك يقال : صبرت الدابة إذا حبستها بلا علف والشكر ليس كذلك فإنه - كما قال الراغب - تصور النعمة وإظهارها ، قيل : وهو مقلوب الكشر أي الكشف ، وقيل : أصله من عين شكري أي ممتلئة فالشكر على هذا هو الامتلاء من ذكر المنعم عليه ، وهو على ثلاثة أضرب : شكر القلب . وشكر اللسان . وشكر الجوارح ، وذكر أن توفية شكر الله تعالى صعبة ، ولذلك لم يثن سبحانه بالشكر على أحد من أوليائه إلا على اثنين نوح وإبراهيم عليهما السلام ، وقد يكون انقسام الشكر على النعمة وعدم انقسام الصبر على النقمة وجهاً للتقديم والتأخير ، وقيل : ذلك لتقدم متعلق الصبر - أعني البلاء - على متعلق الشكر أعني النعماء . * ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذالِكُمْ بَلاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ) * . * ( وَإذْ قَالَ مُوسَى ) * شروع في بيان تصديه عليه السلام لما أمر به من التذكير للإخراج المذكور * ( وإذ ) * منصوب على المفعولية عند كثير بمضمر خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم ، وتعليق الذكر بالوقت مع أن المقصود تذكير ما وقع فيه من الحوادث لما مر غيره مرة أي اذكر لهم وقت قوله عليه السلام * ( لقَوْمه ) * الذين أمرناه بإخراجهم من الظلمات إلى النور * ( اذْكُرُوا نعْمَةَ الله ) * تعالى الجليلة * ( عَلَيْكُمْ ) * وبدأ عليه السلام بالترغيب لأنه عند النفس أقبل وهي إليه أميل ، وقيل : بدأ بهذا الأمر لما بينه وبين آخر الكلام السابق من مزيد الربط ، ولا يخفى أن هذا إنما هو على تقدير أن يكون عليه السلام مأموراً بالترغيب والترهيب ، أما إذا كان مأموراً بالترغيب فقط فلا سؤال ، والظرف متعلق بنفس النعمة إن جعلت مصدراً بمعنى الإنعام أو بمحذوف وقع حالاً منها إن جعلت اسماً أي اذكروا إنعامه عليكم أو نعمته كائنة عليكم ، و * ( إذ ) * في قوله سبحانه : * ( إذْ أَنْجَاكُم مِّنْ آل فرْعَوْنَ ) * يجوز أن يتعلق بالنعمة أيضاً على تقدير جعلها مصدراً أي اذكروا إنعامه عليكم وقت إنجائكم ، ويجوز أن يتعلق بكلمة * ( عليكم ) * إذا كانت حالاً لا ظرفاً لغواً للنعمة لأن الظرف المستقر لنيابته عن عامله يجوز أن يعمل عمله أو هو على هذا معمول لمتعلقه كأنه قيل : اذكروا نعمة الله تعالى مستقرة عليكم وقت إنجائكم ، ويجوز أن يكون بدل اشتمال من نعمة الله مراداً بها الإنعام أو العطية المنعم بها * ( يَسُومُونَكُمْ ) * يبغونكم من سامه خسفاً إذا أولاه ظلماً ، وأصل السوم - كما قال الراغب - الذهاب في طلب الشئ فهو لفظ لمعنى مركب من الذهاب والطلب فأجرى مجرى الذهاب في قولهم : سامت الإبل فهي سائمة ، ومجرى الطلب في قولهم : سمته كذا * ( سُوءَ العَذَاب ) * مفعول ثاني - ليسومونكم - والسوء مصدر ساء يسوء ، والمراد جنس العذاب السيء أو استعبادهم واستعمالهم في الأعمال الشاقة والاستهانة بهم وغير ذلك . وفي " أنوار التنزيل " أن المراد بالعذاب ههنا غير المراد به في سورة البقرة والأعراف لأنه مفسر بالتذبيح والتقتيل ثم ومعطوف عليه التذبيح المفاد بقوله تعالى : * ( وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ ) * ههنا ، وفيه إشارة إلى وجه العطف وتركه مع أن القصة واحدة ، وحاصل ذلك أنه حيث طرح الواو قصد تفسير العذاب وبيانه فلم يعطف لما بينهما من كمال الاتصال وحيث عطف لم يقصد ذلك ، والعذاب إن كان المراد به الجنس فالتذبيح لكونه أشد
تفسير الآلوسي — صفحة 189 | الآلوسي