تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
وأنمار . والأشعريين . والأوس . والخزرج . ومدين ؛ وقد مثل لكل ذلك أبو القاسم ، وذكر أبو بكر الواسطي أن في القرآن من اللغات خمسين لغة وسردها ممثلاً لها إلا أنه ذكر أن فيه من غير العربية الفرس والنبط والحبشة والبربر والسريانية والعبرانية والقبط ، والذاهب إلى ما ذهب إليه ابن قتيبة يقول : إن ما نسب إلى غير قريش على تقدير صحة نسبته مما يوافق لغتهم ، ونقل أبو شامة عن بعض الشيوخ أنه قال : إنه نزل أولاً بلسان قريش ومن جاورهم من العرب الفصحاء ثم أبيح لسائر العرب أن تقرأه بلغاتهم التي جرت عاداتهم باستعمالها كاختلافهم في الألفاظ والإعراب ، ولم يكلف أحد منهم الانتقال من لغتهم إلى لغة أخرى للمشقة . ولما كان فيهم من الحمية ولطلب تسهيل المراد ، لكن أنت تعلم أن هذه الإباحة لم تستمر ، وكون المتبادر من قومه عليه الصلاة والسلام قريشاً مما لا أظن أن أحداً يمتري فيه ويليه في التبادر العرب . وفي " البحر " أن سبب نزول الآية أن قريشاً قالوا : ما بال الكتب كلها أعجمية وهذا عربي ؟ وهذا إن صح ظاهر في العموم ، ثم إنه لا يلزم من كون لغته لغة قريش أو العرب اختصاص بعثته صلى الله عليه وسلم بهم ، وإن زعمت طائفة من اليهود يقال لهم العيسوية اختصاص البعثة بالعرب لذلك ، وحكمة إنزاله بلغتهم أظهر من أن تخفى ، وقيل : الضمير في * ( قومه ) * لمحمد صلى الله عليه وسلم المعلوم من السياق فإنه كما أخرج ابن أبي عن سفيان الثوري لم ينزل وحي إلا بالعربية ثم ترجم كل نبي لقومه ، وقيل : كان يترجم ذلك جبريل عليه السلام ونسب إلى الكلبي ، وفيه أنه إذا لم يقع التبيين إلا بعد الترجمة فات الغرض مما ذكر ، وضمير * ( لهم ) * للقوم بلا خلاف وهم المبين لهم بالترجمة . وفي " الكشاف " أن ذلك ليس بصحيح لأن ضمير * ( لهم ) * للقوم وهم العرب فيؤدي إلى أن الله تعالى أنزل التوراة مثلاً بالعربية ليبين للعرب وهو معنى فاسد . وتكلف الطيبي دفع ذلك بأن الضمير راجع إلى كل قوم بدلالة السياق ، والجواب كما في " الكشف " أنه لا يدفع عن الإيهام على خلاف مقتضى المقام . واحتج بعض الناس بهذه الآية على أن اللغات اصطلاحية لا توقيفية قال : لأن التوقيف لا يحصل إلا بإرسال الرسل ، وقد دلت الآية على أن إرسال كل من الرسل لا يكون إلا بلغة قومه وذلك يقتضي تقدم حصول اللغات على إرسال الرسول ، وإذا كان كذلك امتنع حصول تلك اللغات بالتوقيف فوجب حصولها بالاصطلاح انتهى . وأجيب بأنا لا نسلم توقف التوقيف على إرسال الرسل لجواز أن يخلق الله تعالى في العقلاء علماً بأن الألفاظ وضعها واضع لكذا وكذا ، ولا يلزم من هذا كون العاقل عالماً بالله تعالى بالضرورة بل الذي يلزم منه ذلك لو خلق سبحانه في العقلاء علماً ضرورياً بأنه تعالى الواضع وأين هذا من ذاك ، على أنه لا ضرر في التزام خلق الله تعالى هذا العلم الضروري وأي ضرر في كونه سبحانه معلوم الوجود بالضرورة لبعض العقلاء ؟ والقول بأنه يبطل التكليف حينئذٍ على عمومه غير مسلم وعلى تخصيصه بالمعرفة مسلم وغير ضار * ( فَيُضلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ ) * إضلاله أي يخلق فيه الضلال لوجود أسبابه المؤدية إليه فيه ، وقيل : يخذله فلا يلطف به لما يعلم أنه لا ينجع فيه الإلطاف * ( وَيَهْدي ) * يخلق الهداية أو يمنح الإلطاف * ( مَنْ يَشَاءُ ) * هدايته لما فيه من الأسباب المؤدية إلى ذلك ، والالتفات بإسناد الفعلين إلى الاسم الجليل لتفخيم شأنهما وترشيح مناط كل منهما ، والفاء قيل فصيحة مثلها في قوله تعالى : * ( فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت ) * كأنه قيل : فبينوه لهم فأضل الله